302

Dalīl al-wāʿiẓ ilā adillat al-mawāʿiẓ

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

٢٢ - نحن والمزاح
إن الإنسان مدني بطبعة، ومع اتساع المدن وكثرة الفراغ لدى بعض الناس، وانتشار أماكن التجمعات العامة كالمنتزهات والاستراحات، وكثرة الرحلات البرية، والاتصالات الهاتفية، واللقاءات المدرسية، والتجمعات الشبابية، توسع كثير من الناس في المزاح مع بعضهم البعض، دون ضابط لهذا الأمر الذي قد يؤدي إلى المهالك، ويورث العداوة والبغضاء.
والمراد بالمزاح: الملاطفة والمؤانسة، وتطييب الخواطر، وإدخال السرور. وقد كان هذا من هدي النبي ﵌ كما ذكر ذلك البخاري في (بَاب الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ) عن أَنَسَ ابْنَ مَالِكٍ ﵁ قال: «إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﵌ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النّغَيْرُ» (رواه البخاري).
النّغَيْر: طَائِر مَعْرُوف يُشْبِه الْعُصْفُور.
وَفِي الحديث جَوَاز الْمُمَازَحَة وَتَكْرِير الْمَزْح وَأَنَّهَا إِبَاحَة سُنَّة لَا رُخْصَة، وَأَنَّ مُمَازَحَة الصَّبِيّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّز جَائِزَة. وَفِيهِ تَرْك التَّكَبُّر وَالتَّرَفُّع.
عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، احْمِلْنِي»،
قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»
قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟».
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ؟» (صحيح رواه أبو داود).
(اِحْمِلْنِي): أَيْ عَلَى دَابَّة وَالْمَعْنَى اِعْطِنِي حَمُولَة أَرْكَبهَا.
(قَالَ وَمَا أَصْنَع بِوَلَدِ النَّاقَة): لَمَّا كَانَ الْمُتَعَارَف عِنْد الْعَامَّة فِي بَادِي الرَّأْي اِسْتِعْمَال وَلَد النَّاقَة فِيمَا كَانَ صَغِيرًا لَا يَصْلُح لِلرُّكُوبِ وَإِنَّمَا يُقَال لِلصَّالِحِ الْإِبِل، تَوَحّش الرَّجُل عَلَى فَهْم الْمَعْنَى.

1 / 323