Ghidhaʾ al-albāb fī sharḥ manẓūmat al-ādāb
غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب
Publisher
مؤسسة قرطبة
Edition
الثانية
Publication Year
1414 AH
Publisher Location
مصر
نَفْسِهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ اخْتِصَاصُ الْبَيْتِ الْمَسْكُونِ بِالسَّلَامِ دُونَ الْخَالِي وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ.
وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَمْ يَرُدَّ ابْنُ عُمَرَ السَّلَامَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: إذَا دَخَلَ بَيْتًا خَالِيًا أَوْ مَسْجِدًا خَالِيًا فَلْيَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ، قِيلَ: بُيُوتَ أَنْفُسِكُمْ فَسَلِّمُوا عَلَى أَهَالِيكُمْ وَعِيَالِكُمْ، وَقِيلَ: الْمَسَاجِدُ سَلِّمُوا عَلَى مَنْ فِيهَا، وَقِيلَ: الْمَعْنَى إذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَ غَيْرِكُمْ فَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ.
وَاَلَّذِي قَالَهُ وَجِيهُ الدِّينِ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَعَطَاءٍ، فَحَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَيْتًا خَالِيًا سَلَّمَ بِقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
وَالْمُعْتَمَدُ لَا يَجِبُ الرَّدُّ خِلَافًا لِظَاهِرِ الرِّعَايَةِ، وَلَعَلَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
ثُمَّ إنَّ النَّاظِمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَبَّهَ عَلَى بَعْضِ فَوَائِدِ السَّلَامِ فَقَالَ:
وَإِفْشَاؤُك التَّسْلِيمَ يُوجِبْ مَحَبَّةً ... مِنْ النَّاسِ مَعْرُوفًا وَمَجْهُولًا اقْصِدْ
(وَإِفْشَاؤُك) أَيْ: نَشْرُك وَإِذَاعَتُك التَّسْلِيمَ، مَصْدَرُ سَلَّمَ تَسْلِيمًا وَسَلَامًا (يُوجِبْ) أَيْ يُلْزِمْ وَيُحَقِّقْ (مَحَبَّةً) وَالْمُوجِبَةُ الْكَبِيرَةُ مِنْ الْحَسَنَاتِ أَوْ السَّيِّئَاتِ الَّتِي تُوجِبُ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ.
وَالْمَحَبَّةُ أَصْلُهَا الصَّفَاءُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ لِصَفَاءِ بَيَاضِ الْأَسْنَانِ وَنَضَارَتِهَا حَبَبُ الْأَسْنَانِ. وَقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحُبَابِ وَهُوَ مَا يَعْلُو الْمَاءَ عِنْدَ الْمَطَرِ الشَّدِيدِ، فَهِيَ غَلَيَانُ الْقَلْبِ وَثَوَرَانُهُ عِنْدَ الِاهْتِيَاجِ إلَى لِقَاءِ الْمَحْبُوبِ. وَقِيلَ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ اللُّزُومِ وَالثَّبَاتِ، يُقَالُ أَحَبَّ الْبَعِيرُ إذَا بَرَكَ فَلَمْ يَقُمْ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
خِلْت عَلَيْهِ بِالْفَلَاةِ ضَرْبًا ... ضَرْبَ بَعِيرِ السُّوءِ إذْ أَحَبَّا
فَكَأَنَّ الْمُحِبُّ قَدْ لَزِمَ قَلْبَهُ مَحْبُوبُهُ فَلَمْ يَرُمْ عَنْهُ انْتِقَالًا. وَقِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقُرْطُ حِبًّا لِقَلَقِهِ فِي الْأُذُنِ وَاضْطِرَابِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
1 / 292