Al-Fuṣūl al-ghurawiyya fī al-uṣūl al-fiqhiyya
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
Publication Year
1404 AH
الاختيار وأما بعد ارتفاعه فيمتنع بقاء التكليف بها ولا يلزم منه وقوعها بلا حكم بالنسبة إلى زمن الاختيار كيف وهي مورد التكليف الذي تحقق في ذلك الزمان وإنما اللازم وقوعها بلا حكم بالنسبة إلى ما بعد زمن الاختيار إذ لا تكليف بها فيه فهي واجبة مثلا أو محرمة بالايجاب السابق أو التحريم السابق كما أنها اختيارية بالاختيار السابق وليست واجبة أو محرمة بإيجاب مقارن أو تحريم مقارن كما أنها ليست اختيارية باختيار مقارن وقد مر التنبيه على ذلك في بحث المقدمة وعن الثاني أن حكم العقل بقبح التكليف بالمحال وطلبه يعم كلا من الصورتين كما يعمهما ما دل على عدم وقوعه من الآيات والاخبار ولا فرق في ذلك بين التكليف الابتلائي وغيره وربما فرق وهو ناشئ عن قلة التدبر نعم لا يقبح إيراد صورة الامر حينئذ من باب التهكم والإهانة أو حمل المخاطب على التحسر والتحزن كما في قوله قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وقوله تعالى ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون وأما ما ورد في بعض الاخبار من أن من كذب في رؤياه متعمدا يكلفه الله يوم القيامة أن يعقد شعيرة وما هو بعاقد فالظاهر أن التكليف هنا بمعنى بيان طريق التخلص من عقوبة تلك المعصية أو للتنبيه على العجز عن التخلص كالعجز عن عقد الشعيرة وربما يحتمل أن يكون عند التكليف متمكنا من عقدها لكنه لا يفعله لصعوبته عليه حتى إنه يستهل العقوبة بالنسبة إليه ولعله من ذلك وأمثاله نشأ الوهم تتميم نفي التكليف بالمحال يعم سائر المذاهب والأديان وأما التكليف بما فيه عسر وحرج فنفي في شريعتنا ويدل عليه بعد الاجماع قوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج وقال تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال صلى الله عليه وآله بعثت بالحنيفية السهلة السمحة إلى غير ذلك من الآيات والاخبار وبالجملة فالمستفاد منها قاعدة كلية هي أنه تعالى لم يكلف هذه الأمة بالتكاليف الشاقة وإنما كلفهم بما دون الطاقة فكل حكم يؤدي إلى العسر و الحرج بالنسبة إلى أكثر موارده وأغلب أفراده مرتفع عنا من أصله حتى بالنسبة إلى الموارد التي لا يترتب عليه فيها عسر وحرج إذ إناطة الحكم حينئذ بصورة تحقق العسر والحرج مؤدية أيضا إلى العسر والحرج أ لا ترى أنه لو أجيز لنا الاكل أو الشرب أو النظر أو النوم أو الكلام أو المشي أو ما أشبه ذلك بقدر ما يندفع به العسر و الحرج لادى إلى العسر والحرج وأما الاحكام التي لا تؤدي إلى ذلك إلا نادرا فنفيها مقصور على الموارد التي يتحقق فيها العسر و الحرج ومقدر بما يندفع به الضرورة كأكل الميتة في المخمصة و شرب المتنجس عند العطش الشديد وما أشبه ذلك فلا يتعدى إلى غيرها ولا فيها إلى ما يزيد على القدر الضرورة إذ إناطة دفع المنع هنا بما يندفع به الحرج مما لا حرج فيه لندرة مورده قال جل شأنه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وقال تعالى ذكره فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فإن الله غفور رحيم ثم إنه لما كان المستفاد من الآيات والاخبار المتعلقة بالمقام أن القاعدة المذكورة مطردة في جميع جزئياتها غير مخصصة في شئ من مواردها ليتم المنة على هذه الأمة من بين الأمم برفع الإصر عنهم كما سيأتي التنبيه عليه فربما توجه الاشكال عليها باعتبار أن جملة من الأعمال الشاقة قد ثبت التكليف بها في هذه الشريعة فلا بد من التنبيه عليها وعلى دفعها فمنها الجهاد وهو من أشق الأعمال لما فيه من تحمل الجروح وإتلاف النفوس والأموال و وجوبه عند تحقق شرائطه معلوم من الدين والجواب أن المعتبر في المقام ما يكون فيه حرج وضيق على أغلب الأنام فلا عبرة بالنادر منهم نفيا وإثباتا ولا ريب أن الاقتحام في الحروب مما يستسهله و يتعاطاه أكثر الناس لدفع العاد عن نفسه وحماية ماله أو من ينتسب إليه من أهله وعشيرته أو لتشييد أركان من يصله ببعض العطايا و ينعم عليه ببعض الهدايا بإذلال مخالفيه وإهلاك من يعاديه ولا ريب أن هذه الدواعي متحققة في نفس المؤمن بالنسبة إلى جهاد الكفار مع ما له فيه من رجأ الفوز بعظيم الاجر وجسيم الذخر فينبغي أن يكون في حقه أسهل وكذا الحال في وجوب المدافعة عن النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام وتحمل ما يتوجه إليهما من الأعداء من الطعن والنبل وغير ذلك وإن علم بأدائه إلى التلف كما فعله أصحاب الحسين عليه السلام أعلى الله درجتهم وشكر سعيهم يوم الطف هذا ويمكن أن يقال يختلف صدق العمر والحرج باختلاف المصالح المقتضية للتكليف بالفعل فرب فعل عسر يعد سهلا بالنسبة إلى ما يترتب عليه من المصالح الجليلة وربما يعد ما دونه عسرا بالنسبة إلى قلة ما يترتب عليه من المصالح أ لا ترى أن العبد مع كونه معدا للقيام بمصالح سيده وحوائجه لو أمره بمسير أيام لتحصيل مال يسير له كعشر درهم بحيث لا يكون مقصوده إلا تحصيل ذلك عد ذلك حرجا وتضييقا على العبد ولو أمره بمسير شهر لتحصيل أموال كثيرة له لم يعد حرجا وتضييقا عليه فكذلك العباد مخلوقون للقيام بمحاسن الأعمال والتحرز عن قبائحها فإذا قل حسن الفعل أو الترك وصعب على المكلف ولم يكن هناك ما يحسن تكليفه من جهة الاختيار كان التكليف به حرجا وإذا كمل حسنه وتناهى فيه لم يكن الامر به حرجا وإن صعب على المكلف ويشكل بأن مصالح الامتثال لأوامره تعالى ونواهيه بأسرها جليلة لما فيه من الفوز بالمثوبات الباقية والوصول إلى الدرجات العالية بل أقل تلك المثوبات أعظم من تحصيل جل فوائد الدنيا بل كلها فينبغي أن يستسهل فيه جميع الصعاب فلا يبقى أثر للقاعدة المسطورة وهو مخالف للآيات المذكورة ويمكن دفعه بأن تلك المثوبات وإن كانت في نفسها جليلة إلا أن أكثر العباد لحجبهم عنها وضعف يقينهم بها مع غلبة حب الواجدة عليهم وتطبعهم على مراعاة المصالح الظاهرية لو كلفوا بتحصيلها بمزاولة
Page 334