Al-Fuṣūl al-ghurawiyya fī al-uṣūl al-fiqhiyya
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
Publication Year
1404 AH
أفعال العباد الاختيارية صادرة عنهم بقدرتهم واختيارهم بدون وجوب سابق وأنهم يستحقون عليها المدح والذم وأنهم مستقلون بالقدرة عليها بمعنى أنهم إن شأوا فعلوا سواء شاء الله تعالى ذلك أو شاء عدم وقوعه ولو مشية جازمة وهذا القول بالتفويض وحيث إن بسط المقال في هذه الأقوال خارج عما يقتضيه الحال فلنعطف عنان القلم إلى الجواب عن الشبهتين المذكورتين على وجه يتضح به قول المختار وبطلان ما عداه فنقول أما الجواب عن الوجه الأول فمن وجوه الأول أن هذه شبهة في مقابلة الضرورة فإنا نجد الفرق بالضرورة بين حركة المختار وحركة المرتعش ولا يلتفت إلى الشبهة إذا صادمت الضرورة وهذا البيان ليس على ما ينبغي لان العلم الضروري بالفرق لا يقتضي أن يكون حركة المختار مستندة إلى اختياره فإن مقارنة القدرة والعلم والإرادة للأول دون الثاني كاف في الفرق نعم يتم ذلك ردا على المذهب الأول من مذاهب الخبرية فالأولى أن يقال تشهد ضرورة الوجدان بأن من الافعال ما نتمكن من الاتيان بها وبتركها ويستند كل منهما إلى قدرتنا وإرادتنا ولا نعني بالاختيار إلا ذلك فلا يصغى إلى الشبهة المذكورة وإن قدر العجز عن حلها فإن قيل كل شبهة يعجز عن حلها فإما أن ترجع مقدماتها إلى الضرورة أو لا فإن كان الثاني فلا عجز عن الحل لتطرق المنع إلى المقدمة التي لا يئول إلى الضرورة وإن كان الأول فلا وجه لترك الالتفات إليها بمجرد وقوعها في مقابلة الضرورة إذ يكون التصادم حينئذ بين الضرورتين أجيب بأن المعتبر في توجه الشبهة أن يرجع مقدماتها إلى الضرورة إذا ما لوحظت في نفسها إلا بالنظر إلى المعارض الضروري ولا خفاء في أن مراتب الضرورة مختلفة في الوضوح شدة وضعفا فمجرد معارضة ضروري لاخر لا يوجب تطرق القدح إلى كل منهما إذ قد يكون أحدهما في الوضوح والبداهة بمكان يقدح في بداهة الاخر ولا يقدح الاخر في بداهته كما في المقام لكن لا يكون الدفع بمثل ذلك حلا للشبهة حتى ينافي فرض العجز عنه إذ لا يمكن توجيه المنع إلى شئ من مقدماتها بالخصوص الثاني أن الافعال لو كانت اضطرارية لبطل التكليف والحث والردع والوعيد والانكار و الانذار والتوبيخ ونحو ذلك مما اشتمل عليه الكتاب والسنة لقضاء ضرورة العقل والعادة بقبح هذه الأمور بالنسبة إلى المضطر و باستحالة وقوعه من العالم الحكيم وليت شعري هل يجوز من له أدنى شائبة من العقل أن يقول المولى لعبده لا تقع في الماء ثم إنه يلقيه فيه ويقول له لم وقعت فيه ويعاتبه ويعاقبه على ذلك فكيف جوز هؤلاء الملاحدة أن يخلق الله الكفر في عباده ثم يقول لهم كيف تكفرون بالله ويقول لهم أ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ويقول وعد الله الكفار نار جهنم وأن يجبرهم على عدم الايمان ثم يقول فما لهم لا يؤمنون أو يجبرهم على الاعراض ثم يقول فما لهم عن التذكرة معرضين وكيف يجوز على العدل اللطيف الخبير أن يكلف العباد بالايمان وبسائر التكاليف المقررة في الشريعة ويواعدهم أن يعاقبهم على مخالفتها بأنواع العقوبات الشديدة ومع ذلك يجر هم على الكفر والمخالفة ولا يمكنهم من الايمان و الطاعة بل ليت شعري كيف نسبوا أفعال العباد بأسرها إلى الحكيم العليم وادعوا أنها صادرة منه وأنه الفاعل لها دون غيره مع أن فيها من القبائح الشنيعة ما لا يرضى أحدهم لان تنسب إليه فضلا عن غيرهم من أرباب العقول تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا و لعمري أنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ولقد جاءوا في مقالتهم هذه شيئا إذا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا واعتذار بعضهم في دفع شناعة التكليف بأن وجود الاختيار كاف في جواز التكليف وما يترتب عليه وإن لم يؤثر فمردود عليه بأن الاختيار الغير المؤثر مما لا يصلح أن يكون منشأ للذم و العقاب بالضرورة والمثال الذي ذكرناه من إيقاع العبد في الماء مجامع للاختيار الغير المؤثر ومع ذلك فالضرورة قاضية بقبح ذمه و عقابه الثالث النقض بأفعاله تعالى فإنه مختار في فعله بالاتفاق مع أن الشبهة المذكورة جارية فيه لأنه إما أن يكون فعله تعالى لازم الصدور عنه أو لا إلى آخر ما مر وأما ما يقال من أن فعله تعالى لمرجح إرادته وهي وإن كانت ممكنة إلا أنها قديمة فلا تحتاج إلى مرجح آخر لأن علة الحاجة هي الحدوث فمدفوع أما أولا فبأن علة الحاجة على ما هو الحق المحقق في محله هي الامكان ضرورة أن الشئ إذا كان في حد ذاته متساوي الوجود والعدم احتاج في اتصافه بكل منهما إلى علة ومنه يظهر أن وجود الممكن وعدمه حادثان ذاتيان كما أن وجوب الواجب وعدم الممتنع قديمان ذاتيان وأما ثانيا فبأن الإرادة على تقدير قدمها إن كانت بحيث لا يتوقف في التأثير على تعلق حادث لزم قدم المراد وإلا عاد الاشكال وقد يتفصى عن هذا بأن الإرادة تعلقت في الأزل بوجود زيد مثلا في زمن معين فيكون وجوده في ذلك الزمان بنفس ذلك التعلق القديم من غير توقف على أمر آخر ورد بأنه إن كان هذا التعلق علة تامة لزم أن يكون الحادث في هذا الزمان موجودا في الأزل وإن توقف على حضور هذا الزمان فلا يكون نفس التعلق كافيا في وجود الحادث وهو خلف وهذا الرد محل نظر وأما ثالثا فبأن الفعل بعد تعلق الإرادة القديمة به إن كان لازم الصدور عن الذات لزم الاضطرار وإلا لاحتاج إلى مرجح آخر فيتسلسل أو يلزم الاضطرار واعلم أن تقدمه تعالى على جميع مصنوعاته تقدم بالعلية وليس تقدما بالزمان لامتناع إحاطة الزمان به تعالى فنسبة خلق الأول إليه كنسبة خلق الاخر إليه كما أن
Page 323