286

حكم الحجية له فلا ينافي كونه تعبديا أصلا بل يكون الترجيح حينئذ تعبديا كأصل التقليد كما في تقديم بعض البينات على بعض عند التعارض فإن وجوه الترجيح فيها تعبدية كأصل حجيتها ثم إن قلنا بأن حجية خبر الواحد تعبدية مطلقا فلا كلام وإن قلنا بأن حجيته ليست تعبدية فقد استشكل الفاضل المذكور من جهة منافاة ذلك لعدم حجية القياس إذا لم يفد الخبر الظن وإفادة القياس فإن القول بأن الخبر حجة إن لم يفد الظن قول بحجيته تعبدا وأجاب عنه أولا بمنع إفادة القياس الظن لا سيما إذا عارضه خبر وثانيا بأنا لا نعمل حينئذ بالخبر ولا بالقياس لحرمة العمل بهذا وعدم حصول الظن بذلك بل نعمل بالأصول والقواعد ونحكم بالتخيير حينئذ ولو اخترنا العمل بما هو مقتضى القياس فليس من جهة أنه مقتضاه بل لأنه أحد طرفي التخيير أقول عدم حجية خبر الواحد تعبدا بناء على حجيته لا يوجب أن يكون حجيته لحصول الظن الفعلي به خاصة بل الأعم منه ومن الظن الشأني ففي الفرض المذكور لو لم يكن احتمال ثالث بأن كانا على طرفي النقيض أو كان الاحتمال الاخر معلوم البطلان قدم الخبر على القياس لأنه لو لوحظ في نفسه وجرد النظر عن القياس كان مفيدا للظن ولو كان هناك احتمال آخر لامارة أخرى معتبرة قدم الأقوى منها ومع التكافؤ بني على التخيير بينهما ولا يلتفت إلى القياس على التقديرين لان ما ثبت عدم حجيته ينزل وجوده منزلة العدم في عدم الاعتداد به وأما الوجهان اللذان أجاب بهما فبمكان من الضعف أما الأول فقد مر ما فيه وأما الثاني فلانه إن بني على أن قضية الانسداد حجية كل ظن فعلي واقعا فهذا ينافي القول بعدم حجية القياس المفيد للظن وإن بني على حجيته ظاهرا كما مر في الوجه الثاني من الوجهين فقد عرفت أن مقتضاه أعم من الظن الفعلي والأقرب إليه مع بعد الثاني فيجب على هذا التقدير أن يعمل بالخبر ويترك القياس ولو ادعي أن مقتضاه حجية الظن الفعلي الذي لا دليل على عدم حجيته خاصة فحيث ينتفي يبنى على التخيير ولا يعتبر الظن الشأني فضعفه واضح لأنه إذا كان في مقابل الظن الفعلي الغير المعتبر أمارات أو أخبار متعارضة مختلفة بالقوة والضعف فإن التزم بالتخيير بين الكل لزم الحكم بمساوات المرجوح مع الراجح وقد كان مبنى الدليل العقلي على خلافه وإن اعتبر التخيير بين مؤدى القياس وأقوى تلك الامارات خاصة ففيه أن الظن القياسي بعد دلالة الدليل على عدم اعتباره يتساوى وجوده وعدمه و كيف يرجح مورده على مورد الذي دل الامارة الضعيفة عليه و أيضا لو فرض معارضة الامارة الضعيفة مع القياس فلا بد من التزام التخيير فيه أيضا فلا وجه لعدم اعتباره عند معارضة أمارة الأقوى معها الثاني أنه لو تم ما ذكر لزم من ثبوته نفيه وذلك لان مقتضاه حجية كل ظن لم يثبت عدم حجيته من الشرع بالخصوص والظنون من الطريقة المتداولة بين الأصحاب عدم حجية كل ظن لم يثبت حجيته بالخصوص وبعبارة أخرى قضية ما ذكر أصالة عدم حجيته الظن بعد انسداد باب العلم والمظنون من الشريعة أصالة عدم حجيته بعد انسداد باب العلم وذلك لان طريقة أصحابنا قديما وحديثا جارية على إقامة الدليل على حجية كل ظن عولوا عليه وركنوا إليه ولم يكتفوا فيه بمجرد كونه ظنا لم يقم دليل على خلافه يعرف ذلك منهم بالتتبع في مظان كلماتهم ومطاوي مباحثهم وهذا إن لم يفدنا القطع بأصالة عدم حجية الظن بعد انسداد باب العلم فلا أقل من أن يفيدنا الظن بذلك لكونها شهرة قريبة من الاجماع معتضدة بعموم الآيات والروايات الدالة على عدم جواز التعويل على الظن مطلقا و حينئذ فإن كان الأصل في كل ظن أن يكون حجة كان الأصل في كل ظن أن لا يكون حجة وأما ما زعمه بعض المعاصرين من أن الظاهر من طريقة الفقهاء العمل بكل ظن لم يقم دليل على خلافه فإن أراد به فقهاءنا كما هو الظاهر فتوجه المنع إليه جلي كما يظهر من تعرضهم لشروط قبول خبر الواحد إذ لو كان العبرة بإفادة الظن لما كان لذكر تلك الشروط والحكم بعدم جواز العمل بفاقدها على الاطلاق وجها لظهور أن الظن لا يدور مدارها وأضعف من ذلك تنزيله لتعرضهم للبحث عن حجية خبر الواحد بالخصوص على أن الغرض إثبات حجيته عند عدم انسداد باب العلم والتنبيه على عدم قيام دليل على عدم حجيته بالخصوص كالقياس إذ لا خفاء في أن مساق كلماتهم واعتنائهم بمباحث المقام مما لا يساعد على ذلك بل التحقيق في الجواب على مذاقهم أن البرهان المذكور على أصالة حجية الظن مفيد للعلم بها فيمتنع حصول الظن بخلافه من أمارة لامتناع تعلق العلم والظن بطرفي النقيض وأما أن أصحابنا لم يعولوا على هذا الأصل في الاحكام فإن ثبت فلا بد أن يكون ذلك لتمكنهم من العلم والطريق العلمي إليها والتقدير في حقنا عدم التمكن من العلم فلا يكون حكمنا مساويا لحكمهم هذا ولا يخفى ما فيه مما مر في الوجه الأول التاسع ما استدل به العلامة في النهاية وغيره فهو أن خبر الواحد مفيد للظن فلو لم يجب العمل به لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو ظاهر البطلان يعني على تقدير عدم وجوب العمل بالظن يلزم جواز الاخذ بالموهوم الذي هو طرف المرجوح في النظر و اختياره على الظن الذي هو الطرف الراجح في النظر وترجيح المرجوح على الراجح قبيح بالضرورة ولا يخفى أن هذا الدليل بظاهره ظاهر الفساد للقطع بأن الشارع لم يغير كثيرا من الظنون في الموضوعات والاحكام فكيف يقال بكون الاخذ بالموهوم قبيحا مطلقا فالوجه أن يبتنى على ما عدا المقدمة الأخيرة أعني أقربية الظن إلى العلم من غيره من المقدمات المذكورة في الدليل المتقدم فأصل التقرير هكذا التكليف بمؤدى الأدلة أو بالأحكام ثابت بالضرورة و طريق العلم إليها منسد كما يشهد به الوجدان فيسقط التكليف بتحصيله لامتناع التكليف بغير المقدور فيجب التعويل على الظن المستفاد من خبر الواحد وإلا لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو ظاهر البطلان فيكون المغايرة بين الدليلين بمجرد المغايرة في إحدى المقدمات أقول إن قرر الدليل المذكور على حجية الظن في الأدلة استقام وكان قريبا من الوجه الذي قررناه وإن قرر دليلا على حجية الظن في الاحكام اتجه عليه ما أوردناه على التقرير الثاني فإن قيل لا نسلم أن ترجيح المرجوح في النظر على الراجح فيه قبيح وإنما المسلم قبح ترجيح المرجوح بمعنى القبيح على الراجح

Page 286