284

حصول أماراته وغاية ما يمكن في توجيهه أن يقال يستكشف من نهي الشارع عن العمل بهما عن وقوع الخطأ في إفادتهما غالبا وذلك يوجب الظن بخلاف مقتضاهما إلحاقا له بالأعم الأغلب فيقدح به الظن الحاصل بمقتضاهما للتعارض وهو كما ترى لمنع أصل التعليل أولا وعدم لزوم التكافؤ ثانيا ولهذا لا يعد موافقة القياس من قوادح العمل بالرواية ثم إنه تمسك في مبحث الاجتهاد على عدم إفادة القياس الظن بما ورد في الأخبار المتواترة من المنع عنه مع ما في بعضها من التعليل بأن دين الله لا يصاب بالعقول لان الحكم الكامنة في الأشياء لا يعلمها إلا الله الحكيم العليم وما ورد من أن الله لا يسأل كيف أحل وكيف حرم وما يرى من جمع الشارع بين المختلفات و تفريقه بين المؤتلفات كما في منزوحات البئر وغيرها فكيف يكون مجرد المناسبة والمماثلة منشأ لحصول الظن بالقياس ثم أكد ذلك بالاخبار الدالة على أن أول من قاس إبليس حيث لم يعرف الفرق بين النار والطين وبين آدم ونفسه فقاس آدم بالطين وبما دل على بيان وجه بطلان القياس من أن القتل يثبت بشاهدين والزنا لا يثبت إلا بأربعة شهداء مع أن القتل أكبر والبول يوجب الوضوء مع أنه من المني أكثر وصلاة الحائض لا يقتضي مع أنها أكبر من الصيام وسهم المرأة نصف الرجل في الميراث مع أنه أقوى منها إلى غير ذلك فما لا يدرك العقل فيه الحكمة إدراكا قطعيا لا يجوز الحكم فيه بالأوهام البادية التي تزول بملاحظة ما ذكر أقول دعوى أن القياس لا يفيد الظن بالحكم أصلا نهي الشارع عنه في مرتبة دعوى بعض الأخبارية قطعية الاخبار سندا ودلالة من جهة أمر الشارع بالعمل بها و كلاهما مكابرة يشهد صريح الوجدان على خلافهما وكيف كان فالوجوه المذكورة مدفوعة أما إجمالا فبأن العلة في القياس كما قد تكون معلومة فيعلم بتعدي حكم الأصل إلى الفرع كذلك قد يكون مظنونة فيلزم منه ظن ذلك ودعوى أن العلة إما أن تكون معلومة أو لا يكون مظنونة وأنه لا واسطة بينهما مخالف لما يشهد به الاعتبار الصحيح فإن اختلاف مراتب ما يوجب لحصول الاعتقاد قوة وضعفا يوجب اختلاف آثارها فينبعث منه القطع أو الظن بمراتبهما كما في الحدسيات وأما تفصيلا فبأن النهي عن العمل بأمارة لا ينافي حصول الظن منهما و إنما تنافي جواز العمل بها أ لا ترى أن الشارع نهى عن سوء الظن بالمؤمنين ومع ذلك يحصل به عند وجود أماراته وإلا لامتنع مخالفة هذا النهي ولو كان النهي عن سوء الظن قبل حصوله باعتبار فعل الأسباب المفضية إلى حصوله ثم إلى بقائه وبعد حصوله وتعذر رفعه فالنهي عنه باعتبار البناء عليه والعمل على حسبه ولو كان النهي عن العمل بالظن موجبا لزواله لما تحقق الحكم الأخير وأما عن بقية الاخبار فبأن منها ما يدل على أن حكم الاحكام خفية لا يهتدى إليها و هذا منزل على الغالب فإن حكم بعض الأحكام مستفادة من العقل و الشرع ومنها ما يدل على طرق الخطأ والاشتباه إلى القياس في موارد عديدة وليس الغرض من بيان تخلف إصابة القياس في تلك الموارد منع حصول الظن به مطلقا لان مثل التخلف المذكور متحقق في الاخبار بدليل وقوع التعارض فيها الكاشف عن خطأ أحد المتعارضين مع أنها لا تخرج بذلك عن إفادة الظن في الجملة بل المقصود الرد على أبي حنيفة وأشباهه من العامة القائلين بحجية القياس مطلقا والمقصود أن كثيرا من أنواعه مما لا يعتد بها لأنها بمرتبة الأمثلة المذكورة أو أضعف منها فلا محيص من الرجوع فيها إلى الحجية وأما مبنى الشريعة على الجمع بين المختلفات والتفريق بين المتفقات فلا أثر له في منع حصول الظن بالقياس وإلا لاثر في منع حصول العلم في تنقيح المناط بطريق أولى والوجدان أقوى شاهد على ذلك أ لا ترى أن حكم الشارع بصحة بيع الفضولي يوجب الظن بالمناط الموجب لسريانها إلى العقود وحكمه بإيجاب إفضاء الزوجة بالدخول بها قبل التسع لتحريمها عليه مؤبدا ووجوب الانفاق عليها يوجب الظن بالمناط لانسحاب الحكم إلى غير الزوجة بل وإلى الكبيرة وإلى الافضاء بغير الدخول وربما كان المناط في البعض منقحا إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع في الفقه مما لا حصر له الثاني أن التكليف بما لا يطاق وانسداد باب العلم مع بقاء التكليف لا يوجبان العمل بالظن الواقعي و لا بما يفيد الظن من حيث كونه مفيدا له بل بما يفيد الظن في نفسه مع قطع النظر عما يفيد خلافه وحينئذ يمكن استثناء القياس و الاستحسان وبعد الاستثناء إذا تعارضت سائر الأدلة اعتبر الظن الواقعي ورجح على غيره وفيه أيضا نظر لان الدليل المذكور لو تم فإنما يدل على وجوب العمل بما يفيد الظن الفعلي من حيث كونه مفيدا له لا ما له شأنية إفادة الظن إذ لا فرق في نظر العقل بين الظن الشأني إذا تجرد عن الفعلية وبين الشك أو الوهم فكما أن الوظيفة الأولية هي العمل بما يفيد العلم الفعلي من حيث كونه مفيدا له لا من شأنه إفادة العلم كذلك الوظيفة الثانوية المستندة إلى انسداد الطرق إلى الوظيفة الأولي هي العمل بما يفيد الظن الفعلي من حيث كونه مفيدا له لا من شأنه إفادة الظن على أنا نقول لو دل الدليل المذكور على حجيته ما له شأنية إفادة الظن لدل عليه من حيث إن له شأنية إفادة ذلك لظهور أن هذا الوصف هو المناط والعلة في حكم العقل بحجيته وهذا أيضا جهة واحدة فاللازم عدم اختلاف حكمها باختلاف مواردها فالعدول عن كون الدليل مفيدا للظن الفعلي إلى الظن الشأني لا يجدي في دفع شئ من الاشكالين ولعل منشأ العدول أن ما يفيد الظن في نفسه لا بد وأن يتعدد حيث يوجد أمارة ثبت عدم اعتبارها شرعا إذا كان مقتضاه مخالفا للامارة لم يثبت عدم اعتبارها شرعا صح ترجيح الثانية لامتناع حكم العقل حينئذ بجواز العمل بهما معا امتناع حكمه بالتخيير لوجود المرجح الشرعي في البعض فضلا عن حكمه بترجيح المرجوح وإلى هذا يرجع محصل الاستثناء فإذا اختلفت الامارات وانتفي المرجح الشرعي اعتبر المرجح العقلي فيقدم ما أفادت الظن الفعلي

Page 284