249

مراد هنا قطعا وإطلاقه على ما وقع عليه الاتفاق غير مستقيم لانتفاء العلاقة المصححة للتجوز فتعين أن يراد به الدليل لأنه سبيل معنوي في الوصول به إلى المقصود فتدل الآية على حرمة مخالفة دليل المؤمنين لا اتفاقهم ولو سلم صحة إطلاقه على المعنى الأول فلا أقل من تساوي الاحتمالين إن لم يكن الثاني أظهر فيلزم الاجمال المقتضي لسقوط الاستدلال ولا يخفى أن حمل سبيل على الدليل غير ملائم لسياق الآية ثم صحة إطلاقه على المعنى الأول لا يوجب الاجمال بل قضية التعميم كما مر شموله لكل منهما ومنها أن المراد بسبيل المؤمنين السبيل الذي صاروا به مؤمنين أو سبيلهم في متابعته صلى الله عليه وآله والاقتداء به أو نصرته بدليل اقترانه بمشاقة الرسول والجمع بينهما في الايعاد ويمكن دفعه بمنع صلوح ذلك قرينة على التخصيص على تقدير التعميم ومنها أن المستفاد من الآية على تقدير تسليم التعميم نقيض المقصود إذ كان سبيل المؤمنين عدم اتباع غير الدليل فالقول بوجوب اتباعهم من غير دليل اتباع لغير سبيلهم والتحقيق أن مقتضى هذا الاعتراض لزوم التنافي في ظاهر مدلول الآية من حيث اتفاقهم قبل نزولها على عدم جواز الاخذ بالاتفاق المجرد عن الدليل ومقتضى الآية على ما بني عليه الاستدلال وجوب الاخذ بكل اتفاق ومن جملتها الاتفاق المذكور فوجوب الاخذ بالاتفاق المذكور يوجب عدم جواز الاخذ بالاتفاق المجرد عن الدليل ووجوب الاخذ به يوجب عدم جواز الاخذ بالاتفاق المذكور وهو تناقض فلا بد في دفعه من تخصيصها إما بما عدا ذلك الاتفاق أو بما عدا الاتفاق المجرد عن الدليل وهي إنما تنهض حجة إذا حملت على المعنى الأول لكنه معارض باحتمال الثاني ولا سبيل إلى ترجيح الأول بقلة التخصيص لتغاير الموردين فإن الاتفاق الأول اتفاق عن دليل هو أصل العدم بخلاف الثاني والترجيح بقلة التخصيص إنما يتم إذا اندرج الأقل في الأكثر ومنها أن حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين لا يوجب وجوب متابعة سبيلهم لامكان الواسطة بترك الاتباع مطلقا ويشكل بأنه إن أريد إثبات الواسطة من حيث إن الاتباع معتبر في مفهومه موافقة الغير ويجوز أن لا يكون مخالف الاجماع متبعا لاحد ففيه أن المراد بالاتباع مجرد الاخذ بدليل تعديته إلى غير سبيل المؤمنين لا إلى سبيل غير المؤمنين ولو سلم فاتباع غير سبيلهم اتباع لغيرهم ولو للهوى والشيطان فلا يتحقق الواسطة وإن أريد بالواسطة عدم الحكم والتوقف ففيه أن حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين بحسب الواقع يوجب حصر الجواز في اتباعهم فإن أريد بالوقف مجرد السكوت وعدم الحكم فليس مذهبا ولا يخل بالمقصود إذ الكلام في عدم جواز مخالفة الاجماع لا في جواز السكوت في محل الاجماع مع أنه لا يتم حيث يتعين فيه الحكم والفتوى بل غير متصور في حق من وقف على الاجماع وأذعن بدلالة الآية وإن أريد به الحكم بالوقف و التزام أحكامه كما هو المقصود به حيث يعد المتوقف من أهل المذاهب فالآية تدفعه حيث تدل على بطلان قول المخالف للاجماع فيلزم صحة قول المجمعين إذ لا مخرج عنهما بحسب الواقع ومنها أن المؤمنين إذا اتفقوا على فعل مباح فإن وجب اتباعهم لزم اتباع غير سبيلهم في الحكم وإن لم يجب فقد جاز ترك متابعة سبيلهم وفيه أن المراد وجوب اتباعهم في الحكم والفتوى ونحوهما دون الافعال المباحة ونحوها ومنها أن المؤمنين هم الذين علم منهم الايمان بأن علم أن باطنهم وفق لظاهرهم وهذا مما لا يقطع به في غير المعصوم لاحتمال المخالفة في حقه وهذا الاعتراض قد أورده المرتضى واختاره جماعة ممن تأخر عنه كالعلامة وغيره وضعفه ظاهر لان منع العلم بإيمان غير المعصوم مكابرة واضحة مع أنا لا نسلم انحصار الطريق إلى معرفة المؤمن في العلم بإيمانه بل يكفي إظهاره للايمان كما يعرف من معاملة الشارع [الشرع] معه معاملة المؤمن في سائر الأحكام ودعوى أن هذا الطريق يعتبر بالنسبة إلى بعض أحكام المؤمنين دون بعض مجازفة بينة ومنها أن المفهوم من السبيل الواقعي والقطع به يتوقف على القطع بانتفاء الدواعي المقتضية لا يراد خلاف المعتقد كالتقية وشبهها ولا سبيل إليه غالبا فلا يثبت بالآية حجية الاجماع مطلقا وجواز التعويل في ذلك على ظاهر قولهم غير واضح لأنه إنما يفيد الظن بمعتقدهم ولا دليل على جواز التعويل عليه في المقام فإن قيل فيلزم إلغاء الآية لانقطاع السبيل حينئذ إلى تحصيل سبيل المؤمنين قلنا لا نسلم ذلك لامكان الاطلاع عليه في بعض الموارد بل وقوعه في الاحكام الضرورية وما قام عليها حجة قطعية جلية ليس بموضع إنكار وفيه تعسف ومنها ما ذكره الحاجبي ووافقه العضدي في ظاهر كلامه و هو أن دلالة الآية على حجية الاجماع بعد التسليم ظنية لان مرجعها إلى ظاهر اللفظ وحجيتها إنما تثبت بالاجماع فلو ثبت حجية الاجماع بها كان دورا وفيه نظر إذ لا نسلم أن حجية الظواهر لا يثبت إلا بالاجماع لامكان إثباتها بالسيرة القاطعة المستمرة بين المسلمين الكاشفة عن الدليل القاطع أو بطريق العقل نظرا إلى بقاء التكليف وانسداد طريق القطع إليه ولا ريب في وجوب التعويل معه على الظن أو نقول إجماعهم على حجية ظواهر الألفاظ إجماع على القطع بها وقد اعترف بأنهم متى أجمعوا على القطع فالعادة تقتضي أن لا يكون قطعهم إلا عن دليل قاطع فلا يتوقف إثبات حجية هذا الاجماع على إثبات حجية مطلق الاجماع ومنها قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ووجه الدلالة أنه تعالى وصفهم بكونهم خير أمة وذلك يقتضي أن لا يجتمعوا على باطل وإلا لانتفي منهم وصف الخيرية ووصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واللام فيهما للاستغراق لأنه المناسب لمقام المدح إذ لا فضل في الامر بمعروف واحد والنهي عن منكر واحد فيدل على أنهم آمرون بكل معروف والناهون عن كل منكر وذلك ينافي اجتماعهم على الخطأ وإلا لكانوا آمرين بالمنكر و ناهين عن المعروف وهو خلاف ما وصفهم الله تعالى به وفيه نظر لان الآية إن حملت على ظاهرها دلت على عصمة جميع الأمة و هو مخالف للواقع بالضرورة فلا بد من تأويلها بتنزيلها على بيان أنه تعالى أكرمهم بهذه الأهلية من بين الأنام أو أن الخطاب مخصوص ببعض هذه الأمة وهم

Page 249