Al-Fuṣūl al-ghurawiyya fī al-uṣūl al-fiqhiyya
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
Publication Year
1404 AH
الحمل بالمفهوم مجرد عدم وجوب ما عدا المقيد وعلى تقدير اعتبار الحمل بالمنطوق عدم جواز ذلك لان المطلق بالخطابين إما مطلق الطبيعة أو خصوص المقيد وعلى التقديرين فالمقصود يتحقق بفعل المقيد فيكون الاتيان بغيره حراما هذا ما يقتضيه ظاهر كلامه وهو مما لا يعقل له وجه إذ ليس قضية الحمل باعتبار المنطوق إلا مطلوبية الخاص وأما عدم جواز فعل ما عداه فهو إنما يأتي من قبيل التشريع وهو آت على تقدير اعتبار المفهوم أيضا على أنا لم نقف على مصرح في المقام بأن قضية الجمع عدم جواز الاتيان بما عدا المقيد فما المانع من تنزيل كلامهم على ما ادعاه في المفهوم من قضاء الجمع بعدم وجود ما عدا المقيد نعم ربما يتجه عكس ما ذكره بناء على تفسير البدعة بإدخال ما علم خروجه من الدين فيه كما لا يخفى حجة الأكثر على كون المقيد بيانا للمطلق أن التقييد المتأخر لو كان نسخا لكان التخصيص المتأخر أيضا نسخا لتساويهما في نفي الشمول ولكان المطلق عند تأخره عن المقيد أيضا نسخا له لان ما يوجب ذلك وهو التنافي متحقق من الطرفين وبطلان كل من اللازمين معلوم بالاتفاق وأجيب عن الأول بأن في التقييد حكما شرعيا يرفع حكما شرعيا فيكون نسخا بخلاف التخصيص فإنه لا حكم فيه ولا رفع بل إنما هو مجرد دفع وعن الثاني بأن التقييد المتأخر يثبت حكما لم يكن قبل بخلاف العكس لثبوت حكم المطلق فيه مع الزيادة وهو إنما يرفع تلك الزيادة ويرد على الجواب الأول أن في التخصيص أيضا حكما شرعيا يرفع حكما شرعيا فإن المراد بالتخصيص التخصيص بالمخالف كما يقتضيه بيان الملازمة ولا ريب في أن التخصيص بقولنا لا تكرم هذا العالم يرفع حكما شرعيا استفيد من العام المتقدم أعني قولنا أكرم العلماء مثلا وهو وجوب إكرام ذلك العالم ويثبت حكما شرعيا لم يكن ثابتا وهو عدم وجوب إكرامه فيبطل الفرق المذكور وعلى الجواب الثاني بأن المطلق المتأخر لو رفع حكم الزيادة كما عليه مبنى الجواب لكان مثبتا للحكم في المطلق من حيث كونه مطلقا ورافعا له عن المقيد من حيث كونه مقيدا فيكون كالمقيد المتأخر في كونه مثبتا لحكم شرعي فلا يستقيم الفرق المذكور بل الوجه في الفرق أن المطلق يتعين حمله على المقيد سوأ تقدم عليه أو تأخر كما عرفت لكن في صورة تقدم المطلق يثبت به حكم شرعي يرتفع بالمقيد فيكون نسخا له بخلاف صورة تأخره فإنه يحمل من أول الامر على المقيد فلا يثبت به حكم شرعي حتى يرفع بالمقيد فيكون رفعه نسخا كذا قال بعضهم وهو مبني على أن النسخ عبارة عن رفع الحكم الثابت ولو في الظاهر فيعود على تقديره الاشكال السابق وهو أن يكون التخصيص أيضا نسخا وهو خلاف ما اصطلح عليه الكل احتج من قال بأنه نسخ بأنه لو كان بيانا لكان المراد بالمطلق هو المقيد فيكون مجازا وهو مبني على الدلالة وهي منتفية إذ لا دلالة للمطلق على مقيد خاص والجواب أما أولا فبالنقض بالتخصيص فإنه لا يسمى نسخا اتفاقا كما حكاه بعضهم مع أن الوجه المذكور جار فيه بل جريانه فيه أظهر وأما ما قيل من النقض بما لو تقدم المقيد فإن المراد بالمطلق حينئذ هو المقيد مجازا ولا دلالة فيمكن دفعه بأن الدلالة متحققة في صورة السبق كما في صورة المقارنة بخلاف صورة التأخير وقد مر التنبيه عليه وكذا ما قيل أيضا من النقض بتقييد الرقبة بالسلامة فإنه مجاز ولا دلالة لها عليه لما مر وذلك لجواز أن يكون التقييد المذكور عند الخصم مستفادا من ظهور الاطلاق فيه لا لنص متأخر ولو ثبت فلا نسلم أن الخصم يساعد على عدم كونه نسخا والحال هذه وأما ثانيا فبالمنع من كون التقييد مجازا وسيأتي بيانه إن شاء وأما ثالثا فبالمنع من توقف المجاز على الدلالة إن أريد بها الدلالة المقارنة وإن أريد ما هو أعم من ذلك منعنا انتفاءه في المقام لتحققها بعد ورود المقيد ثم لا يذهب عليك أن ما ذكرناه في هذه الصورة من حمل المطلق على المقيد يجري فيما لو كانا مفردين منكرين كما مر أو معرفين بلام العهد الذهني نحو إن ظاهرت فأعتق الرقبة إن ظاهرت فأعتق الرقبة المؤمنة أو مثنيين أو مجموعين منكرين نحو إن ظاهرت فأعتق رقبتين أو رقابا إن ظاهرت فأعتق رقبتين مؤمنتين أو رقابا مؤمنة وكذا لو كانا عامين بدليلين نحو إن ظاهرت فأعتق أي رقبة تيسرت إن ظاهرت فأعتق أي رقبة مؤمنة تيسرت وأما إذا تعلق أحدهما بالعام المطلق والاخر بالعام المقيد نحو إن أفطرت فأعتق كل رقبة تملكها إن أفطرت فأعتق كل رقبة مؤمنة تملكها أو قال فأعتق الرقاب التي تملكها ثم قال فأعتق الرقاب المؤمنة التي تملكها فلا حمل من حيث الاطلاق والتقييد نعم يجوز التخصيص حيث نقول بحجية المفهوم المذكور وبجواز التخصيص به وأما نحو إن جاءك زيد فأكرم العلماء إن جاءك زيد فأكرم العلماء ببذل الهدايا لهم أو في يوم كذا أو مكان كذا أو ما أشبه ذلك فهذا من باب المطلق والمقيد فيتعين الحمل إذ عموم الفعل بالنسبة إلى أفراد العالم لا يقتضي عمومه بالنسبة إلى أفراده ولا أفراد الزمان والمكان وهذا واضح ثم لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الأمران إيجابيين أو ندبيين لمساعدة العرف على الحمل فيهما وربما يتخيل في الأخير إبقاء الامر بالمطلق على إطلاقه وحمل الامر بالمقيد على الأفضلية وهو بالنظر إلى نفس الخطابين بعيد جدا نعم كثيرا ما يستفاد ذلك بمعونة القرائن لكنه خارج عن محل البحث و لو كان الأمران مرسلين أو كان أحدهما مرسلا والاخر معللا فإن استفدنا منهما أو من دليل آخر وحدة التكليف فلا إشكال في لزوم الحمل كما أنا لو لم نستفد ذلك فلا إشكال في إبقاء كل على حاله وأما إذا كان نهيين فلا حمل مطلقا بل يتعين العمل بكل منهما نحو لا تعتق مكاتبا لا تعتق مكاتبا كافرا وهذا القسم قد ذكره الحاجبي وغيره واعترض عليه العضدي بأنه خارج عن محل البحث لأنه من باب تخصيص العام لا من باب تقييد المطلق لعموم النكرة المنفية وجوابه أن عموم النكرة المنفية إنما هو على حسب إطلاق النكرة وتقييدها كما مر تحقيقه سابقا والكلام
Page 222