310

Al-ittijāhāt al-fiqhiyya ʿinda aṣḥāb al-ḥadīth fī al-qarn al-thālith al-hijrī

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

مصر.

٣ - يرجح الترمذي بين الآراء المختلفة، ويصرح باختياره، وفي بعض الأحيان يعرض الآراء دون أن يبين الراجح منها، وغالبًا ما يكون ذلك إذا اختلف فقهاء الحديث فيما بينهم:
فمما صرح فيه بالترجيح ما جاء في الإبراد بالظهر، وأن تأخير صلاة الظهر في شدة الحر هو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق. أما الشافعي فذهب إلى أن الإبراد إنما يكون إذا كان المسجد بعيدًا، فأما المصلي وحده، والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر.
قال أبو عيسى: «وَمَعْنَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ: هُوَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالاتِّبَاعِ، وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ لِمَنْ يَنْتَابُ مِنَ البُعْدِ وَالمَشَقَّةِ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلاَفِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَذَّنَ بِلاَلٌ بِصَلاَةِ الظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا بِلاَلُ أَبْرِدْ، ثُمَّ أَبْرِدْ»، «فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَكُنْ لِلإِبْرَادِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مَعْنًى لاجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ، وَكَانُوا لاَ يَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْتَابُوا مِنَ البُعْدِ» (١).
ومما رجح فيه أيضًا ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها، هل تنتهي عدتها بوضع الحمل، أو تنتظر إلى أبعد الأجلين؟ فقد ذكر أن العمل عند أكثر أهل العلم على القول الأول: «وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ [مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ]: تَعْتَدُّ آخِرَ الأَجَلَيْنِ وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُّ» (٢).

(١) " الترمذي " بتحقيق أحمد شاكر: ١/ ٢٩٥، ٢٩٧، والنص بأكمله من الصفحة الأخيرة.
(٢) " الترمذي بشرح ابن العربي ": / ١٧٠، وانظر أيضًا: ٥/ ١٩٥ - ١٩٧، ٣/ ١٤٦، ١٨١، ١/ ١٢٧ - ١٢٩ بشرح ابن العربي.

1 / 314