وأن قومًا ذهبوا إلى أن صفة القعود في الصلاة كلها أن ينصب الرجل رجله اليمنى ويثني اليسرى ويقعد بالأرض، مستندين إلى ما روي عن ابن عمر من أن ذلك سنة، والسنة لا تكون إلا عن رسول الله ﷺ.
وذهب آخرون إلى غير ذلك، لأن قول ابن عمر لا يدل على أنه عن النبي، إذ قد يجوز أن يكون رأى ذلك رأيًا، أو يكون أخذهم ممن بعد النبي ﷺ، وقد قال - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي».
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَمَّا سَأَلَهُ رَبِيعَةُ، عَنْ أُرُوشِ أَصَابِعِ المَرْأَةِ «إِنَّهَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي» وَلَمْ يَكُنْ مَخْرَجُ ذَلِكَ إِلاَّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَسَمَّى سَعِيدٌ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سُنَّةً (١).
أما المحدثون فقد ذهبوا إلى أن قول الصحابي: «أُمِرْنَا بِكَذَا، أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا، أَوْ السُّنَّةُ كَذَا»، يعتبر حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ لأن الصحابي يريد به إثبات شرع وإقامة حجة، فلا يحمل على قول من لا حجة في قوله.
ولذلك جعل البخاري لهذه الصيغ حكم الرفع، فمن ذلك قوله: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: «نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ» (٢).
وروى بسنده عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ [الحُيَّضَ] يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ ...» (٣).
(١) انظر " شرح معاني الآثار " للطحاوي: ١/ ١٥٢.
(٢) " البخاري بحاشية السندي ": ٤/ ٢٥٩ ط. دار إحياء الكتب العربية.
(٣) " البخاري بحاشية السندي ": ١/ ١١٤، وفي الترمذي: ٣/ ١٠ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُخْرِجُ ...»، وفي أبي داود: ١/ ٤٠٥، عنها أيضًا: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ ...»، وفي رواية: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا الْخَبَرِ».