224

Al-ittijāhāt al-fiqhiyya ʿinda aṣḥāb al-ḥadīth fī al-qarn al-thālith al-hijrī

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

مصر.

وذهب الشافعي ﵁ في أشهر قوليه إلى منع نسخ السنة بالقرآن. واختلف النقل عنه في سبب المنع: هل هو العقل، أو السمع؟ أو لا العقل ولا السمع ولكن السبب هو عدم الوقوع بالفعل. قال السبكي: «نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا».
أما نسخ القرآن بالسنة فإن للشافعي فيه قولًا واحدًا هو المنع.
والنص الذي يشير إليه السبكي، هو قول الشافعي في " الرسالة ": «وَأَبَانَ اللهُ لَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسَخَ مَا نَسَخَ مِنَ الكِتَابِ بِالكِتَابِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لَا نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْكِتَابِ، يُمَثِّلُ مَا نَزل نَصًّا، وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنَى مَا أَنْزَل اللَهُ مِنْهُ جُمَلًا ...» (١).
وقوله: «وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَهِ، لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَهِ؛ وَلَوْ أَحْدَثَ اللَهُ لِرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ سَنَّ فِيهِ، غَيْرَ مَا سَنَّ رَسُولُ اللَهِ: لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْنَّاسِ أَنَّ لَهُ سُنَّةٌ نَاسِخَةَ لِلَّتِي قّبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا» (٢).
وبقول الشافعي قال أحمد بن حنبل من المحدثين (٣).
واحتج الشافعي لرايه بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤)، والسنة ليست مثلًا للقرآن، ولا خيرًا منه. ورد المجيزون بأن المعنى: «نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ أَوْ مِثْلَهَا لَكُمْ»، لأن القرآن أيضًا ليس بعضه خيرًا من بعض، وأيضًا فالسنة يمكن اعتبارها مثل القرآن، لأنها وحي مثله، ولاستوائها معه في وجوب الطاعة. وإنما افترقا في ألا يكتب في المصحف غير القرآن، ولا يتلى معه غيره مخلوطًا به،

(١) و(٢) " الرسالة "، للشافعي: ص ١٠٦، ١٠٨.
(٣) " النسخ في القرآن الكريم ": ١/ ٢٠٣، ٢٠٤.
(٤) [البقرة: ١٠٦].

1 / 228