Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
Publisher
دار الفكر
Edition
الخامسة والعشرون
Publication Year
١٤٢٦ هـ
Publisher Location
دمشق
Regions
Syria
وكان يتألف أصحابه ويكرم كريم كل قوم ويولّيه أمرهم. ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحته، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي قط أفّ.
ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا؟» .
واعلم أن زيارة مسجده وقبره ﷺ، من أعظم القربات إلى الله ﷿، أجمع على ذلك جماهير المسلمين في كل عصر إلى يومنا هذا. لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية غفر الله له، فقد ذهب إلى أنّ زيارة قبره ﷺ غير مشروعة. ودليل ما أجمع عليه المسلمين من دونه عدة وجوه:
الوجه الأول: مشروعية زيارة القبور عموما واستحبابها، وقد ذكرنا فيما سبق أن النبي ﷺ كان يذهب كل ليلة إلى البقيع يسلّم على أهله ويدعو ويستغفر لهم، ثبت ذلك في الصحيح. والأحاديث الثابتة في تفصيل ذلك كثيرة. ومعلوم أن قبر رسول الله ﷺ داخل في عموم القبور فيسري عليه حكمها.
الوجه الثاني: ما ثبت من إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على زيارة قبره ﷺ والسلام عليه كلما مروا على الروضة الشريفة، روى ذلك الأئمة الأعلام وجماهير العلماء بمن فيهم ابن تيمية ﵀.
الوجه الثالث: ما ثبت من زيارة كثير من الصحابة قبره ﷺ، منهم بلال ﵁ رواه ابن عساكر بإسناد جيد، وابن عمر فيما رواه مالك في الموطأ وأبو أيوب فيما رواه أحمد، دون أن يؤثر عنهم أو عن أحد منهم أي استنكار أو نقد لذلك.
الوجه الرابع: ما رواه أحمد ﵁ بسند صحيح أن النبي ﷺ لما خرج يودع معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري»، فكلمة (لعل) تأتي في أعمّ الأحوال للرجاء، وإذا دخلت (أن) على خبرها تمخضت للعرض والرجاء. فالجملة تنطوي بصريح البيان على توصية معاذ بأن يعرج عند رجوعه إلى المدينة على مسجده ﷺ وقبره ليسلم عليه «١» .
إذا تبين هذا، فاعلم أنه لا وجه لما انفرد به ابن تيمية ﵀ من دفع هذه الأوجه كلها في غير ما دافع والقول بأن زيارة قبره ﷺ عمل غير مشروع! ..
(١) هنالك أيضا طائفة من الأحاديث الواردة عنه ﷺ في فضل زيارة قبره، لا يخلو معظمها من ضعف أو لين. وهي وإن كانت ترتقي في مجموعها إلى درجة القوة، فقد آثرنا أن لا نسوقها مع هذه الدلائل التي ذكرناها حتى لا يتعلق المخالفون بما قد يطيب لهم التعلق به من لين أو ضعف فيها، فيجدوا بذلك منفذا للانتصار لرأي ابن تيمية على ما فيه من شذوذ.
1 / 347