لا نزلت ولا ركبت، وما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله؟ ولقد رجع أسامة ﵁ من هذه الغزوة منصورا ظافرا وكان في تسيير ذلك الجيش نفع عظيم للمسلمين «٢٠» .
ثانيا- مشروعية الرّقية وفضلها:
وهي التعويذة. ودليل ذلك ما رويناه من حديث البخاري ومسلم أنه ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوّذات ومسح عنه بيده.. إلخ.
وقد كان ﷺ يرقي أصحابه بالقرآن آنا، وبالأذكار والأدعية أخرى. روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب البأس ربّ الناس، واشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما»، وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النّبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها. ومن أوضح الأدلة على مشروعية الرقية بالقرآن الكريم قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الإسراء ١٧/ ٨٢] .
والفرق بين الدعاء والرقية أن الرقية تزيد عليه المسح باليد والنفث بالفم، وهو النفخ بدون ريق، في الأصح
ثم إنه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى جواز أخذ الأجر على الرقية، وفصّل أبو حنيفة فمنعها على تعليم القرآن وأجازها على الرقية «٢١»، ودليل ذلك حديث البخاري ومسلم أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا لهم: «هل فيكم راق، فإن سيّد الحي لديغ أو مصاب، فقال رجل منهم نعم، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب، فشفي الرجل، فأعطي قطيعا من غنم فأبى أن يقبلها، وقال:
حتى أذكر ذلك للنّبي ﷺ، فأتى النّبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله، والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب، فتبسّم وقال: وما أدراك أنها رقية؟ ثم قال: خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم» .
وقد نقل النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما الإجماع على مشروعية الرّقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وأن يكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثّر بذاتها، بل بذات الله تعالى «٢٢» .
(٢٠) تاريخ الطبري: ٣/ ٢٢
(٢١) انظر شرح النووي على مسلم: ١٤/ ١١٨
(٢٢) راجع النووي على مسلم: ١٤/ ١٦٩، وفتح الباري لابن حجر: ١٠/ ١٥٢