الأمر، فإن مما لا شك فيه أن وجوب الحج إنما شرع في العام العاشر من الهجرة، فلم يكن واجبا قبل ذلك ولم يحج النبي ﷺ بعدها غير هذه الحجة. ولذلك كان يطلق كثير من الصحابة على حجة الوداع هذه اسم حجة الإسلام، أو حجة رسول الله ﷺ، وبها عنون الإمام مسلم حديث هذه الحجة.
ومن الأدلة على ذلك، ما رواه الشيخان من خبر وفد عبد القيس الذين قدموا على النبي ﷺ، فقد جاء فيه أنهم قالوا له ﷺ: سرنا بأمر فصل نأخذ به ونأمر به من وراءنا وندخل به الجنة، قال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع»، وعدّد لهم الأوامر الأربعة فقال:
«آمركم بالإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من الغنم» . ويبدو أنه إنما ذكر الأمر بالإيمان زيادة على الأربعة، إذ هو معروف لهم، غير أنه أعاد الأمر به للتأكيد ولبيان أنه أساس الأوامر الأربعة التي ذكرها بعد. وقد كان مجيء هذا الوفد في السنة التاسعة للهجرة.
فلو كان الحج مفروضا إذ ذاك، لعدّه في جملة الأوامر التي وجهها إليهم.
ثانيا- المعنى الكبير لحجة رسول الله ﷺ:
إن لحجة رسول الله ﷺ هذه معنى جليلا يتعلق بالدعوة الإسلامية ويتعلق بحياته ﷺ ويتعلق بالمنهج العام للنظام الإسلامي.
لقد تعلم المسلمون من رسول الله ﷺ صلاتهم وصيامهم وأمر زكاتهم وعامة ما يتعلق بهم من عبادات وواجبات، وبقي أن يعلمهم مناسكهم وكيفية أدائهم شعائر الحج بعد أن طويت تلك التقاليد الجاهلية المتوارثة أيام موسم الحج من تصدية وصفير وعري أثناء الطواف، وقضي عليها مع القضاء على الأوثان وتطهير بيت الله الحرام منها.
وإن الدعوة إلى الحج لبيت الله الحرام ستظل قائمة إلى يوم القيامة، فهي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵊ بأمر من ربه ﷾. ولكنّ انحرافات الجاهلية وضلالات الوثنية قد زادت فيه تقاليد باطلة وصبغته بكثير من مظاهر الكفر والشرك، وقد جاء الإسلام ليغسل هذه الشعيرة مما قد علق بها من أدران، ويعيدها نقية صافية تشع بنور التوحيد وتقوم على أساس العبودية المطلقة لله تعالى.
من أجل ذلك أذّن رسول الله ﷺ في الناس أنه حاجّ إلى بيت الله الحرام، ومن أجل ذلك أقبل الناس من كل حدب وصوب يريدون أن يأتموا به ليتعلموا الأعمال الصحيحة للحج فلا يقعوا في رواسب التقاليد الجاهلية البائدة.
ويبدو أنه قد ألقي في روعه ﷺ، أن مهمته في الأرض توشك ان تنتهي، فقد أدى