315

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

قال عديّ: فرأيت اثنتين: الظعينة، وكنت في أول خيل أغارت على كنوز كسرى، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة» «١٢٨» .
العبر والعظات:
كان قدوم عديّ بن حاتم إلى رسول الله ﷺ، وخبر إسلامه، في الفترة التي قدم عليه فيها الوفود من كل جهة وصوب ونستطيع أن نعده في مجيئه هذا واحدا من تلك الوفود الكثيرة التي سعت إلى رسول الله ﷺ تعلن إسلامها.
غير أنّا آثرنا إفراد خبر عديّ بالتفصيل والتأمل، لما فيه من العبر الهامة المتعلقة بأسس العقيدة الإسلامية، ولما فيه من تحليل دقيق، بل وتجسيد واضح لشخصية سيدنا رسول الله ﷺ، تلك الشخصية التي ظهرت جلية واضحة لعديّ بن حاتم، مصفّاة عن شوائب الزعامة والملك وحب الإمارة أو الكبرياء والجاه، لا يتراءى فيها سوى الإعلام بأنه رسول رب العالمين إلى الناس أجمعين، فكانت أساس إيمانه وسرّ هدايته.
فلنتأمل فيما تأمل فيه عدي.. ولنعتبر بما اعتبر به عديّ، لنزداد إيمانا ويقينا بنبوة سيدنا محمد ﵊، ولنزداد يقينا بمعنى المكيدة التي تكمن خلف دراسات محترفي الغزو الفكري في العالم الإسلامي.. ولنقف قليلا أمام السمة التي صوّر بها عديّ شخصية النبي ﵊ كما رآها فتأثر بها، فكانت سرّ إيمانه.
يقول عديّ: «فو الله إنه لعامد بي إلى داره، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك» .
أجل فما أبعد الطامع بالملك أو المؤمل في الزعامة والمجد الدنيوي، عن الصبر على مثل هذه الوقفة. ولئن صابر نفسه فتصنع لذلك وقسرها على ما تكره، فما أسرع ما تظهر دلائل المصانعة من ضجر وتأفف. أما رسول الله ﷺ، فقد كانت هذه سجيته وطبيعته، في كل حال. فما كان يتميز على أصحابه في مجلس، وما كان يعلو في معيشته وحياته من مستوى الفقراء والمساكين، وما أثر أنه ﷺ أكل على خوان قط، وما رؤي أصحابه ﷺ يكدّون في عمل شاق إلا كان النبي ﷺ منهمكا فيه معهم. كانت هذه صفته ﷺ حتى فارق الدنيا والتحق بالرفيق الأعلى، فأي سرّ يمسكه على هذه الحال (مع ما فيه من الخصال التي لو أحب أن يتعلق بها لرفعته إلى مكانة عالية لا ينتهي إليها أحد غيره) غير سرّ النبوة التي أكرمه الله بها؟!
ويقول عديّ: «فلما دخل بي بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا. فقذفها إليّ فقال:

(١٢٨) رواه ابن إسحاق، والإمام أحمد، والبغوي في معجمه بألفاظ متقاربة، وانظر الإصابة للحافظ ابن حجر: ٢/ ٤٦١، وترتيب مسند الإمام أحمد: ٢١/ ١٠٨

1 / 320