310

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

الحيّ من قريش، إذ كانوا إمام الناس وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل ﵇ وقادة العرب. فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عدوانه، فدخلوا في دين الله تعالى أفواجا، كما قال تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا [النصر ١١٠] .
ونحن لا نرى حاجة- في هذا المجال- إلى سرد تفاصيل هذه الوفود وأخبارها، إذ لا يوجد كبير غرض لنا في هذا التفصيل.
العبر والعظات:
أتذكر خبر أولئك الذين استقبلوا رسول الله ﷺ يوم أن هاجر إلى الطائف، شرّ استقبال، وأخرجوه من ديارهم شرّ إخراج، وألحقوا به سفهاءهم وصبيانهم يضربونه ويؤذونه ويسخرون منه؟ .. تلك هي ثقيف التي سعت اليوم إليه ودخلت في دين الله تعالى صادقة طائعة.
وهل تذكر إذ قال زيد بن حارثة لرسول الله ﷺ، وقد عاد أدراجه من الطائف إلى مكة: «كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فأجابه ﵊:
يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيّه» !.
إن ما حدث اليوم هو مصداق ما قاله رسول الله ﷺ لزيد، فتلك هي الطائف، وهذه مكة وشتى قبائل وبطون العرب قد سعت جمعيها تدخل في دين الله أفواجا.
ثم تعال فتأمل! .. تأمل في كل ذلك الإيذاء الذي رآه من ثقيف والخيبة التي فوجئ بها بعد أن هاجر ساعيا على قدميه يعبر إليهم جبالا وأودية قاصية مؤملا عندهم استقبالا كريما أو استجابة حسنة. إن أدنى ما يترك ذلك في نفس الإنسان- أيّا كان- من الناس من الأثر، أن يفكر في الانتقام أو أن يقابل إساءة بمثلها.
ولكن أين تجد هذا- أو حتى شيئا من هذا- في نفس رسول الله ﷺ تجاه ثقيف، لقد حاصر الطائف أياما ثم أمر أصحابه بالرجوع، فقيل له: ادع على ثقيف، فأبى ذلك ورفع يديه يقول: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم مؤمنين» ! ..
ولما استجاب الله دعاء رسوله فجاء وفد ثقيف إلى المدينة، تسابق أبو بكر الصديق والمغيرة بن شعبة إلى رسول الله ﷺ يبشّرانه بذلك، لما يعلم كل منهما من شدة سرور النّبي ﷺ بنبأ إسلام ثقيف وهدايتهم، فخرج يستقبلهم في بشر وإكرام، وراح يحبس عليهم وقته كله يعلّمهم ويرشدهم وينصح لهم.

1 / 315