وبعد، فقد دلّ عمل رسول الله ﷺ هذا، على ضرورة تعطيل أو هدم أو تحريق أماكن المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وإن اختبأت حقيقة هذه الأماكن عن أنظار الناس وراء مظاهر الخير والبر.
وإذا كان هذا هو ما فعله رسول الله ﷺ، بمسجد الضرار، فما بالك بأماكن المعاصي والفواحش التي يعصى الله فيها جهارا وعلنا؟! وقد أحرق عمر بن الخطاب ﵁ قرية بكاملها كان يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي وسمّاه فويسقا «١١٨»، وهذا ما لم يقع فيه أي خلاف بين علماء المسلمين.
وفد ثقيف ودخولهم في الإسلام
وروى ابن إسحاق أنه ﷺ قدم المدينة من تبوك في شهر رمضان، وفي ذلك الشهر قدم عليه وفد ثقيف.
وكانوا قد تشاوروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايع كلهم وأسلموا. فأرسلوا وفدا منهم يرأسهم كنانة بن عبد ياليل، فلما دنوا من المدينة لقيهم المغيرة بن شعبة- وهو منهم- فاستقبلهم وعلّمهم كيف يحيّون رسول الله ﷺ عند دخولهم عليه، ولكنهم لم يفعلوا إلا بتحيّة الجاهلية.
وأنزل رسول الله ﷺ وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا، ومكث الوفد أياما عديدة يختلفون إلى رسول الله ﷺ ويختلف إليهم وهو يدعوهم إلى الإسلام «١١٩» . روى ابن سعد: «أنه ﷺ كان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء، فيقف عليهم يحدثهم حتى يراوح بين قدميه» (أي يقوم على كل قدم مرة من التعب) «١٢٠» .
روى موسى بن عقبة في مغازيه: «أن عثمان بن أبي العاص كان في ذلك الوفد، وكان أصغرهم، فكانوا إذا ذهبوا إلى مجلس رسول الله ﷺ خلفوه على رحالهم، فكان عثمان كلما رجع الوفد، وقالوا في الهاجرة، عمد فذهب إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، واختلف إليه عثمان على ذلك مرارا حتى فقه في الدّين، وكان إذا وجد رسول الله ﷺ نائما عمد فذهب إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك منه رسول الله ﷺ وأحبّه.
وأخيرا دخل الإسلام أفئدتهم، ولكن كنانة بن عبد ياليل قال لرسول الله ﷺ: أفرأيت
(١١٨) راجع زاد المعاد لابن القيم: ٣/ ١٧
(١١٩) ابن هشام: ٢/ ٣٢٤
(١٢٠) طبقات ابن سعد: ٢/ ٧٨