293

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

ومرّ الجيش مع رسول الله ﷺ بالحجر (وهي منازل ثمود) فقال لأصحابه: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي «١٠٥» .
ثم إن النبي ﷺ قفل راجعا إلى المدينة، فلما أشرفوا على المدينة قال ﵊ لأصحابه: «هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه «١٠٦» وقال لأصحابه: إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر» «١٠٧» .
وقدم المدينة ﵊ في رمضان من السنة نفسها، فيكون قد غاب قرابة شهرين..
أمر المخلفين
ولما دخل رسول الله ﷺ المدينة بدأ بالمسجد، فصلّى فيه ركعتين، ثم جلس للناس فجاءه المخلفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه إلى أن نزلت آيات بقبول توبتهم.
وقد روى كعب ﵁ خبره في ذلك- في حديث طويل رواه البخاري ومسلم- وجاء فيه قوله: «كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة.. وطفقت أغدو لكي أتجهز مع المسلمين، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه (أي لن يعوقني شيء عن سرعة التجهز) فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجدّ ولم أقض من جهازي شيئا. ولم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو (أي خرجوا وفاتوا) وهممت أن أرتحل فأدركهم- وليتني فعلت- فلم يقدّر لي ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموسا بنفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء.. ولما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همّي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول بماذا سأخرج من سخطه غدا؟! .. واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، ولما قيل إن رسول الله ﷺ قد أقبل، زاح عني الباطل وأجمعت أن أصدقه، فجئته، فلما سلمت عليه تبسّم تبسّم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت

(١٠٥) متفق عليه.
(١٠٦) متفق عليه.
(١٠٧) متفق عليه، البخاري: ٥/ ١٣٦، ومسلم: ز/ ٤٩

1 / 298