291

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

ومما نزل في ذلك قوله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة ٩/ ٨١] وقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة ٩/ ٤٩] .
أما المؤمنون فأقبلوا إلى رسول الله ﷺ من كل صوب، وكان قد حض أهل الغنى على النفقة وتقديم ما يتوفر لديهم من الدواب للركوب فجاء الكثيرون منهم بكل ما أمكنهم من المال والعدة، وجاء عثمان ﵁ بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «٩٩» وبألف دينار نثرها في حجره، فقال رسول الله ﷺ: «لا يضر عثمان ما فعل بعدها» «١٠٠» .
وجاء أبو بكر ﵁ بكل ماله، وجاء عمر بنصف ماله، روى الترمذي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: «سمعت عمر بن الخطاب يقول: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق ووافق ذلك عندي مالا، فقلت اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوما. قال: فجئت بنصف مالي فقال رسول الله ﷺ: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدا» «١٠١» .
وإذا صح هذا الحديث فلا بد أن يكون هذا الندب بمناسبة غزوة تبوك كما قال ذلك فريق من العلماء.
وأقبل رجال من المسلمين أطلق عليهم (البكاؤون) يطلبون من رسول الله ﷺ ظهورا يركبونها للخروج إلى الجهاد معه، فقال لهم: «لا أجد ما أحملكم عليه» . فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا لديهم ما ينفقونه في أسباب خروجهم للغزو.
وخرج رسول الله ﷺ فيما يقارب ثلاثين ألفا من المسلمين «١٠٢»، وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة. وكانوا- كما قال ابن إسحاق- نفر صدق لا يتهم في إسلامهم. غير أن أبا خيثمة لحق برسول الله ﷺ في تبوك.

(٩٩) رواه الطبراني وأخرجه الترمذي والحاكم والإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن خباب، والأحلاس جمع حلس وهو الكساء الذي يوضع على ظهر البعير.
(١٠٠) رواه الترمذي في سننه والإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن سمرة.
(١٠١) رواه الترمذي والحاكم وأبو داود. وفي سنده هشام بن سعد عن زيد بن أسلم وقد ضعفه الإمام أحمد والكسائي. واعتبره الحافظ ابن حجر من المرتبة الخامسة، فقال عنه: صدوق له أوهام، إلا أن الذهبي نقل عن أبي داود أنه أثبت الناس إذا روى عن زيد بن أسلم كما في هذا الحديث ونقل عن الحاكم أن مسلما أخرج له في الشواهد.
(١٠٢) روى ذلك ابن سعد وابن إسحاق وغيرهما.

1 / 296