أمر الغنائم وكيفية تقسيم رسول الله ﷺ لها
وعاد رسول الله ﷺ إلى الجعرانة، وفيها السبي والغنائم التي أخذت من هوازن في غزوة حنين، فقسم السبي هناك. ثم قدم عليه وفد من هوازن مسلمين، وسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم (أي أخّرت قسم السبي والغنائم آملا إسلامكم) . وكان النّبي ﷺ قد أنظرهم بضع عشرة ليلة حين رجع من الطائف.
فقالوا: يا رسول الله خيّرتنا بين أحسابنا وأموالنا فالحسب أحب إلينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين، وإني رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء علينا فليفعل «٨١» .
فنادى الناس جميعا: قد طيّبنا ذلك يا رسول الله. فقال ﵊: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيّبوا، وأذنوا» «٨٢»، فأعيد إلى هوازن سبيها.
وسأل رسول الله ﷺ وفد هوازن- فيما رواه ابن إسحاق- عن مالك بن عوف ما فعل؟
فقالوا بالطائف مع ثقيف، فقال لهم: «أخبروه أنه إن أتى مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مئة من الإبل، فأخبر مالك بذلك، فجاء يلحق برسول الله ﷺ حتى أدركه فيما بين الجعرانة ومكة، فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مئة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه» .
وخصّ النّبي ﷺ المؤلّفة قلوبهم- وهم أهل مكة- بمزيد من الغنائم والآعطيات يتألف قلوبهم على الإسلام، فوجد بعض الأنصار في نفوسهم من ذلك وقالوا: «يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم!» «٨٣» .
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأرسل إلى الأنصار فاجتمعوا في مكان أعد لهم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، ثم قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
(٨١) أي بأن يردّ السبي بشرط أن يعطى عوضه فيما بعد.
(٨٢) رواه البخاري، ورواه الطبري والبيهقي وابن سيّد الناس كلهم عن طريق ابن إسحاق بمزيد من التفصيل.
(٨٣) متفق عليه.