280

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

وكان قد ذكر لرسول الله ﷺ أن عند صفوان بن أمية أدراعا وأسلحة، فأرسل إليه- وهو يومئذ مشرك- فطلب منه تلك الدروع والأسلحة. فقال صفوان: «أغصبا يا محمد؟! .. قال: بل عارية، وهي مضمونة حتى نؤديها إليك. فأعطاه مئة درع بما يكفيها من السلاح» «٧٤» .
وعلم مالك بن عوف بمقدم الرسول ﷺ، فعبأ أصحابه في وادي حنين وانتشروا يكمنون في أنحائه، وأوعز إليهم أن يحملوا على محمد ﷺ وأصحابه، حملة واحدة.
ووصل المسلمون إلى وادي حنين، فانحدروا فيه في غبش الصبح، فما راعهم إلا الكتائب خرجت إليهم من مضايق الوادي وشعبه وقد حملوا حملة واحدة على المسلمين، فانكشفت الخيول وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على آخر.
وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم نادى في الناس: «إليّ يا عباد الله، أنا النّبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» . روى مسلم عن العباس ﵁ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ولم نفارقه، وهو على بغلة له بيضاء، فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفّها، إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ، فقال ﵊: ناد أصحاب السمرة «٧٥» (وكان رجلا صيّتا) فقلت بأعلى صوتي يا أصحاب السمرة، قال: فو الله لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك، يا لبيك.. وأقبلوا يقتتلون مع الكفار، وكان النداء: يا للأنصار، وأشرف رسول الله ﷺ ينظر إلى قتالهم قائلا: الآن حمي الوطيس. ثم أخذ حصيّات من الأرض فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا وربّ محمد» «٧٦» .
وقذف الله في قلوب المشركين الرعب، فانهزموا لا يلوي واحد منهم على أحد، واتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، فما رجع الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله ﷺ.
وفي هذه الغزوة أعلن رسول الله ﷺ قائلا: «من قتل قتيلا له عليه بيّنة فله سلبه» «٧٧» .
فروى ابن إسحاق وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: لقد استلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلا وحده، هو قتلهم.

(٧٤) رواه ابن إسحاق بسند صحيح، ورواه عن طريقه ابن جرير وابن سيّد الناس.
(٧٥) هي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية.
(٧٦) رواه مسلم، وروى نحوه باختصار البخاري أيضا، وترويه بتفصيل كل كتب السيرة.
(٧٧) متفق عليه.

1 / 285