262

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب، وتلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ. ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٥٦» .
وروى الشيخان عن أبي شريح العدوي أنه ﷺ قال فيما خاطب به الناس يوم الفتح: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها أناس، لا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» .
ثم إن الناس اجتمعوا بمكة لمبايعة رسول الله ﷺ على السمع والطاعة لله ورسوله، فلما فرغ ﷺ من بيعة الرجال بايع النساء، واجتمع إليه نساء من نساء قريش، فيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لما كان من صنيعها بحمزة ﵂، فلما دنون منه ليبايعنه قال رسول الله ﷺ: تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما أخذته على الرجال، وسنؤتيكه، قال: ولا تسرقن. قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلّا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان، وكان شاهدا لما تقول: أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل. فقال ﵊: وإنك لهند بنت عتبة؟ فقالت: أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: ولا تزنين، قالت:
وهل تزني الحرة!. قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا، فأنت وهم أعلم. فضحك عمر من قولها حتى استغرب. قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل.
قال: ولا تعصينني في معروف. فقال رسول الله ﷺ لعمر: بايعهن واستغفر لهن رسول الله، فبايعهن عمر. وكان رسول الله ﷺ لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه، إلا امرأة أحلّها الله له» «٥٧» .
وروى البخاري عن عائشة ﵂، قالت: «كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام، بهذه الآية: لا يشركن بالله شيئا، قالت: وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة

(٥٦) وروى نحوه ابن سعد أيضا في طبقاته.
(٥٧) رواه ابن إسحاق وابن جرير.

1 / 267