257

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

أن على المسلمين أن يقدموا رجلا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر» . كما دلت هذه التوصية على مشروعية اجتهاد المسلمين في حياة النبي ﷺ.
ثالثا: لقد رأيت أن النبي ﷺ نعى لأصحابه زيدا وجعفر وابن رواحة وعيناه تذرفان وبين رسول الله ﷺ وبينهم مسافات شاسعة بعيدة! ..
وهذا يدل على أن الله تعالى قد زوى لرسوله الأرض، فأصبح يرى من شأن المسلمين الذين يقاتلون على مشارف الشام، ما حدث أصحابه به، وهي من جملة الخوارق الكثيرة التي أكرم الله بها حبيبه ﷺ.
كما يدل هذا الحديث نفسه على مدى شفقته على أصحابه، فلم يكن شيئا قليلا أن يبكي رسول الله ﷺ وهو واقف في أصحابه يحدثهم عن خبر هؤلاء الشهداء. وأنت خبير أن بكاءه ﷺ عليهم، لا يتنافى مع الرضى بقضاء الله تعالى وقدره فإن العين لتدمع والقلب ليحزن- كما قال ﵊ وتلك رقة طبيعية ورحمة فطر الله الإنسان عليهما.
رابعا: وحديث نعيه ﷺ لهؤلاء الشهداء الثلاثة، يسجل فضلا خاصا لخالد بن الوليد ﵁، فقد قال لهم في آخر حديثه: «حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح عليهم» . وتلك أول وقعة يحضرها خالد ﵁ في صف المسلمين، إذ لم يكن قد مضى على إسلامه إلا مدة يسيرة. ومن هنا تعلم أن الرسول ﷺ، هو الذي سجل لقب سيف الله، لخالد ﵁.
ولقد أبلى ﵁، في هذه الغزوة بلاء رائعا، روى البخاري عنه ﵁ قال:
«لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية» . قال ابن حجر: وهذا الحديث يدل على أن المسلمين قد قتلوا من المشركين كثيرا.
هذا، وأما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم إلى المدينة: «يا فرّار، فررتم في سبيل الله»، فهو أنهم لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم، وتركوا الأرض التي قاتلوا فيها كما هي ولم يكن ذلك شأنهم في الغزوات الأخرى، واكتفى خالد بذلك فكرّ عائدا إلى المدينة. ولكنه كما رأيت كان تدبيرا حكيما من خالد بن الوليد ﵁ حفظا للمسلمين وهيبتهم التي انطبعت في أفئدة الروم، ولذلك ردّ النبي ﷺ عليهم قائلا: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار، إن شاء الله» .
فتح مكة
وكان ذلك في شهر رمضان سنة ثمان من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.
وسببها أن أناسا من بني بكر، كلموا أشراف قريش في أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح. (وخزاعة كانت قد دخلت في عهد المسلمين)، فأجابوهم إلى ذلك، وخرج حشد من

1 / 262