243

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

والراجح لدى التأمل في مجموع الأدلة، صحة كل من عقد المساقاة والمزارعة فقد قالوا في بيانه: إن النهي كان في أول الأمر لحاجة الناس وكون المهاجرين ليست لهم أرض، فأمر النبي ﷺ الأنصار بالتكرم بالمواساة، ويدل له ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: «كان لرجال من الأنصار فضول أرض، وكانوا يكرونها بالثلث والربع فقال النبي ﷺ: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسكها»، ثم بعد توسّع حال المسلمين زال الاحتياج فأبيحت لهم المزارعة وأن يتصرف المالك في ملكه كما يشاء. ويدل على ذلك ما وقع من المزارعة والمؤاجرة في عهده ﷺ وعهد الخلفاء من بعده.
خامسها: (مشروعية تقبيل القادم والتزامه)، وهو مما لا نعلم فيه خلافا معتدا به إذا كان قادما من سفر أو طال العهد به، واستدل العلماء في ذلك بتقبيل رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب بين عينيه والتزامه إياه عند قدومه من الحبشة، والحديث رواه أبو داود بسند صحيح، وروى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: «قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي ﷺ يجرّ ثوبه، فاعتنقه وقبله» .
ويشكل عليه في الظاهر ما رواه الترمذي أيضا عن أنس ﵁ قال: «قال رجل:
يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبله؟؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم» .
وجواب الإشكال أن سؤال الرجل في هذا الحديث عن اللقاءات العادية المتكررة بين الرجل وصاحبه، والتقبيل أو الالتزام أمر غير مرغوب فيه في مثل هذه الحال، أما ما فعله رسول الله ﷺ من ذلك بالنسبة لجعفر وزيد فإنما كان ذلك- كما قد علمت- على أثر قدوم من سفر فالحالتان مختلفتان.
سادسها: (حرمة ربا الفضل في المطعومات)، وهو أن يتبادل اثنان مطعومين من جنس واحد مع تفاضل بينهما. وقد نهى عنه رسول الله ﷺ بأحاديث كثيرة صحيحة منها ما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت قال: «سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو استزاد فقد أربى» . ومنها ما رويناه عن البخاري من نهي النبي ﷺ عن مبادلة التمر الجيد بالتمر الرديء مفاضلة.
وليس هذا مجال البحث في الحكمة من تحريم هذا التبادل واعتباره ربا محرما، فمجال ذلك المطولات من كتب الفقه.
ولكن الذي ينبغي التنبيه إليه هنا، هو أن النبي ﷺ أرشد من يريد أن يستبدل تمرا جيدا

1 / 248