الصلح، من التحلل والنحر والحلق، على أن المحصر يجوز له أن يتحلل، وذلك بأن يذبح شاة حيث أحصر أو ما يقوم مقامها ويحلق ثم ينوي التحلّل مما كان قد أهلّ به، سواء كان حجّا أو عمرة.
كما دلّ ذلك على أن المتحلّل لا يلزم بقضاء الحج أو العمرة إذا كان متطوعا، وخالف الحنفية فرأوا أن القضاء بعد المباشرة واجب. بدليل أن جميع الذين خرجوا معه ﷺ في صلح الحديبية خرجوا معه في عمرة القضاء التي سيأتي ذكرها، إلا من توفي أو استشهد منهم في غزوة خيبر
غزوة خيبر
ثم سار النّبي ﷺ إلى خيبر، في أواخر المحرم للسنة السابعة من الهجرة، وخيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع تقع على بعد مئة ميل شمال المدينة جهة الشام.
وكان مع النّبي ﷺ في هذه الغزوة ألف وأربع مئة مقاتل ما بين فارس وراجل. قال ابن هشام: «فلما أشرف النّبي ﷺ على خيبر قال لأصحابه قفوا، ثم قال:
«اللهم ربّ السماوات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن، وربّ الرياح وما أذرين، فإنّا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها. اقدموا باسم الله» .
وكان رسول الله ﷺ إذا غزا قوما، لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار، فبات رسول الله ﷺ وأقبل، فرآه عمال خيبر وقد خرجوا بمساحيهم وفؤوسهم ومكاتلهم، يقصدون مزارعهم، فلما رأوه ﷺ، صاحوا: محمد والخميس، ثم ولّوا هاربين، فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» «١٥» .
قال ابن سعد: «فوعظ رسول الله ﷺ الناس، وفرق بينهم الرايات، وابتدأت المعارك بين رسول الله ﷺ، وأهل خيبر- وقد تحصّنوا بحصونهم- وأخذ المسلمون يفتحونها حصنا حصنا:
إلا الحصنين الأخيرين: الوطيح، والسّلالم، فقد حاصرهما رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة» .
روى أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث بريدة بن الخطيب، قال: «لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء، فرجع ولم يفتح له، فلما كان الغداة أخذه عمر، فرجع ولم يفتح له، فقال النّبي ﷺ لأدفعنّ لوائي غدا إلى رجل يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله. قال:
فبات الناس يدوكون ليلتهم (أي يتساءلون ويختلفون): أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس، غدوا على رسول الله ﷺ، كلهم يرجو أن يعطاها. فقال أين علي بن أبي طالب؟ فقيل هو
(١٥) متفق عليه.