231

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا أعطينا القوم عهودا، وإنا لا نغدر بهم» .
ولقد أخذ الصحابة ينظرون إلى هذا الأمر، وقد داخلهم من ذلك همّ عظيم.
ولكن، فما الذي تمّ بعد ذلك؟ .. «لقد جاء إلى النّبي ﷺ بعد ذهابه إلى المدينة رجل آخر قد أسلم من قريش اسمه: أبو بصير، فأرسلوا في طلبه رجلين من المشركين ليستردّوه، فسلّمه الرسول ﷺ إليهما، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فغافل أبو بصير أحد حارسيه وأخذ منه سيفه فقتله، ففرّ الآخر. ثم عاد أبو بصير إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمّتك، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم، ثم إنه خرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت أبو جندل، فلحق به هناك، وأصبح ذلك المكان مثابة للمسلمين من أهل مكة، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير وإخوانه، فما كانوا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوا المشركين وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ تناشده الله والرحم أن يقبلهم عنده ويضمهم إليه، فجاؤوا إلى المدينة» «٨» .
ولما كان فتح مكة، كان أبو جندل هذا، هو الذي استأمن لأبيه وعاش ﵁ حتى استشهد في وقعة اليمامة «٩» .
وهكذا صحا أصحاب النّبي ﷺ من همهم ذاك، على مزيد من الإيمان بالحكمة الإلهية ونبوة محمد ﷺ، روي في الصحيح أن سهيل بن سعيد ﵁ قال يوم صفين: «أيها الناس، اتهموا رأيكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته!» .
ومرة أخرى نكرر ونقول: هل في أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد ﷺ أبلغ من هذا الدليل وأظهر؟
ومن الحكم الجليلة أيضا، أن الله جلّت قدرته إنما أراد أن يجعل فتح مكة لنبيّه فتح مرحمة وسلم، لا فتح ملحمة وقتال، فتحا يتسارع الناس فيه إلى دين الله أفواجا، ويقبل فيه أولئك الذين آذوه وأخرجوه، يلقون إليه السلم ويخضعون له الجانب مؤمنين آيبين موحدين. فجعل من دون ذلك هذا التمهيد، تؤوب فيه قريش إلى صحوها وتحاسب فيها نفسها وضميرها، وتشترك هي الأخرى مع أصحاب رسول الله ﷺ في أخذ العبرة من أمر هذا الصلح ومقدماته ونتائجه، فتنضج الآراء في الرؤوس وتتهيأ لقبول الحق الذي لا ثاني له.
وهكذا كان الأمر، كما ستعلم تفصيله في مكانه إن شاء الله تعالى.

(٨) من تتمة حديث البخاري السابق ذكره.
(٩) راجع الإصابة: ٤/ ٢٤

1 / 236