228

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

يصبر عمر حتى أتى أبا بكر ﵁ فسأله مثل ما سأل النّبي ﷺ، فقال له يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يعصي ربّه ولن يضيّعه الله أبدا. فما هو إلا أن نزلت سورة الفتح على رسول الله ﷺ، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياها. فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟! .. قال: نعم، فطابت نفسه» «٦» .
ثم إن النّبي ﷺ أقبل على أصحابه فقال لهم: «قوموا فانحروا ثم احلقوا- وكرر ذلك ثلاثا- فوجم جميعهم وما قام منهم أحد، فدخل على زوجته أم سلمة، وذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر لفرط الغم.
ثم جاء نسوة مؤمنات (بعد انصرافه إلى المدينة) مهاجرات بدينهن، بينهن أم كلثوم بنت عقبة، فأنزل الله تعالى قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة ٦٠/ ١٢] . فأبى رسول الله ﷺ أن يردهنّ بدينهن إلى الكفار» «٧» .
بيعة الرضوان
وكان قد أرسل النّبي ﷺ عثمان بن عفان ﵁ إلى قريش قبل كتابة الصلح ليكلمهم في الأمر، فاحتبسته قريش عندها مدة، وبلغ رسول الله ﷺ إذ ذاك أن عثمان بن عفان قد قتل، فقال لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة هنا لك.
فكان ﷺ يأخذ بيد أصحابه الواحد منهم تلو الآخر يبايعونه على أن لا يفرّوا. وأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه، وقال: «هذه عن عثمان» .
ولما تّمت البيعة، انتهى إلى رسول الله ﷺ أن الذي بلغه من مقتل عثمان باطل.
العبر والعظات:
كلمة وجيزة عن حكمة هذا الصلح:
قبل أن نخوض في تفصيل ما ينبغي أن نقف عليه من دروس صلح الحديبية وعظاتها وأحكامها، نقول في كلمة وجيزة: إن أمر هذا الصلح كان مظهرا لتدبير إلهي محض تجلى فيه عمل النبوة وأثرها كما لم يتجلّ في أي عمل أو تدبير آخر. فقد كان نجاحه سرّا مرتبطا بمكنون الغيب

(٦) متفق عليه.
(٧) صحيح البخاري.

1 / 233