215

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

والسير بها إلى الناس في طريق هذه طبيعتها. فهذه الشخصية النبوية التي تتجلى في عمله مع أصحابه في حفر الخندق.
وأما ما يبدو خلال ذلك من محبته الشديدة لأصحابه والشفقة عليهم، فإنك لتجده واضحا في موقفه ﷺ من دعوة جابر له إلى طعامه القليل، ذاك الذي صنعه له.
لقد كان الذي دفع جابرا إلى دعوته ﷺ، ما اكتشفه من شدة جوعه ﵊ حينما رأى الحجر المربوط على بطنه الشريف، ولم يكن في بيته من الطعام إلّا ما يكفي لبضعة أشخاص، فاضطر إلى أن يجعل الدعوة على قدر ما عنده من الطعام.
ولكن كيف يتصور أن يترك النبي ﷺ أصحابه في غمرة العمل وهم يتضورون مثله جوعا، لينفرد عنهم مع ثلاثة أو أربعة من أصحابه يستريحون ويأكلون، وإنه لأشفق على أصحابه من شفقة الأم على أولادها؟!
أما جابر فقد كان مضطرا إلى ما فعل، وكان ذلك منه طبيعيا، إذ إنه- كأي مفكر من الناس- لم يكن يملك إلا أن يتصرف حسب ما لديه من الأسباب المادية، والطعام الذي لديه، لا يكفي فيما يجمع عليه عرف البشر إلا لهذا العدد اليسير، فليختصّ به إذن رسول الله ﷺ ومن يشاء من بعض أصحابه في حدود ضيقة.
ولكنه ﵊، لم يكن من شأنه أن يتأثر بنظرة جابر هذه، فهو أولا لا يمكن أن يتميّز عن أصحابه بشيء من النعمة أو الراحة. وهو ثانيا لا يمكن أن يأسر نفسه تحت سلطان الأسباب المادية وحدودها التي ألفها البشر، فالله وحده مسبب الأسباب وخالقها، ومن اليسير عليه سبحانه أن يجعل من الطعام اليسير كثيرا، وأن يبارك في القليل منه حتى يكفي القوم كلهم.
ومهما يكن، فقد رأى النبي ﷺ أنه وأصحابه متضامنون متكافلون يتقاسمون النعمة بينهم مهما قلت كما يتقاسمون بينهم المحنة مهما عظمت وكثرت! .. فمن أجل ذلك أرسل جابرا إلى داره ليهيئ لهم الطعام، وانفتل هو إلى عامة القوم يناديهم أن يقبلوا جميعا إلى صنيعة كبرى لهم في دار جابر.
وأما المعجزة الخارقة في هذه القصة، فهي ما رأيت من انقلاب شاة جابر الصغيرة إلى طعام وفير كثير، شبع منه مئات الصحابة وبقيت منه بقية كثيرة تركوها بعد أن اقترح النبي ﷺ على أهل البيت أن يتصدقوا بها! .. لقد كانت هذه الخارقة العجيبة لرسول الله ﷺ تقديرا إلهيا لمدى محبته ﷺ لأصحابه وإعراضه عن الأسباب المادية وشأنها في جنب قدرة الله وسلطانه.
والذي أريده من القارئ، أن ينتبه بفكره إلى مثل هذه المؤيدات الإلهية التي كان يؤيّد بها النبي ﷺ من وراء قيمة الأسباب المادية وسلطانها، فهي من أهم ما يبرز معالم شخصيته النبوية

1 / 220