Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
Publisher
دار الفكر
Edition
الخامسة والعشرون
Publication Year
١٤٢٦ هـ
Publisher Location
دمشق
Regions
Syria
من الأهمية والخطورة وهو يستدعي حينئذ من المسلمين أن ينشطوا في محاربته محاربة واعية فعالة، تقوم على أساس فهم الخطط الماكرة المختلفة التي يبيتها أعداء المسلمين للإجهاز عليهم.
وعليهم أن لا ينخدعوا بما يشاع من مشكلات الإنتاج والاقتصاد فذلك جزء من التخطيط نفسه.
ثالثا: تدلنا معالجة النبي ﷺ للمشكلة التي استغلها عبد الله بن أبيّ بن سلول، بالشكل الذي رأيناه، على مدى ما قد آتاه الله من براعة فائقة في سياسة الأمور وتربية الناس والتغلب على مشاكلهم. لقد كان ما سمعه ﷺ من كلام ابن سلول مسوغا كافيا لأن يأمر بقتله بحسب الظاهر، ولكنه ﷺ استقبل الأمر بصدر أرحب من ذلك، وسمع عن اللغط الذي جرى، والتناوش الذي وقع، والجيش فيه عدد كبير من المنافقين الذين يبحثون عن شيء مثل هذا ليقوموا ويقعدوا به، فلم يعالج الأمر بعاطفة متأثرة، وإنما ترك الحكمة وحدها هي التي تدبر. فكان أن أمر القوم بالمسير في وقت لم يكونوا يعتادونه، حتى يشغلهم السير عن الاجتماع على المحادثة والكلام. وظل يسير بهم بقية اليوم والليل كله وصدرا من اليوم الثاني، لا يدع لهم مجالا يفرغ فيه المنافقون للخوض فيما يريدون من باطل، فلما انحطوا بعد ذلك على الأرض لم يدع لهم التعب فرصة الحديث عن شيء، وذهب الجميع في سبات عميق.
وانتظر الناس أن يجدوا من الرسول ﷺ، إذا وصل إلى المدينة، شدة على المنافقين لا ريب أنها تتجلى في قتل عبد الله بن أبيّ بن سلول، فلذلك جاء إليه ابنه عبد الله ﵁ يعرض على الرسول ﷺ أن يتولى هو قتل أبيه إذا كان يريد أن يحكم بذلك، ولكنه فوجئ من رسول الله ﷺ بما لم يكن متوقعا حينما قال: «بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا» .
وانظر إلى تعليل ذلك فيما قاله لعمر ﵁: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟» .
ولقد كان من نتيجة هذه الحكمة أن انحسر عن عبد الله بن أبيّ قومه فكانوا هم الذين يعنّفونه ويفضحون أمره إذا ما أراد أن يحدث شيئا، وأنت خبير أن المنافق يعتبر في الأحكام القضائية الدنيوية مسلما مع وجوب الحيطة والحذر منه.
وقبل أن تستغرق في التأمل فيما كان يتصف به ﷺ من البراعة في الحكمة والسياسة وتدبير الأمور، ينبغي أن أذكرك مرة أخرى، بأن كل هذه الصفات إنما تأتي من وراء صفة النبوة فيه، فهي كلها متفرعة عن كونه نبيا ورسولا إلى الناس، ومن الخطأ الفادح أن يعمد باحث فيحلل مثل هذه الصفات في حياته ﷺ، دون أن يربطها بمصدرها الأساسي الأول، وهو نبوته ورسالته ﷺ. وتلك خطة- كما بيّنا ذلك سابقا- يختارها محترفو الغزو الفكري لشغل المسلمين
1 / 209