202

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

والحديث الذي ذكرناه في هذا صريح بجواز العزل. فقد قال لهم حينما استفتوه في ذلك:
«ما عليكم أن لا تفعلوا»، (وفي رواية مسلم: لا عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة) . أي ليس عليكم أن تتركوا العزل، لأن ما قد قدر الله واقع لا ريب فيه، فلا يمكن أن يمتنع المقدر بعملكم. وأصرح من هذا الحديث ما رواه الشيخان عن جابر ﵁ أنه قال: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل» .
وقد ذهب جمهور الأئمة بناء على هذا إلى جواز ممارسة العزل، ولكنهم اشترطوا لذلك موافقة الزوجة، لما قد يكون من الضرر بها، غير أنه يكره ذلك إذا كان سببه خشية النفقة وقلة ذات اليد.
وخالف ابن حزم الجمهور، فذهب إلى حرمة العزل مطلقا، مستدلا بما رواه مسلم أن النبي ﷺ سئل عن العزل، فقال: «ذلك الوأد الخفي»، واستدل بأحاديث أخرى كلها موقوفة على الصحابة. فمن ذلك ما رواه بسنده عن نافع أن ابن عمر كان لا يعزل، وقال: «لو علمت أحدا من ولدي يعزل لنكلته» . ومنه ما رواه من طريق الحجاج بن المنهال أن علي بن أبي طالب كان يكره العزل.
وأجاب ابن حزم عن حديث جابر الذي استدل به الجمهور بأنه منسوخ «٦٢» .
وذكر ابن حجر في فتح الباري رأي ابن حزم هذا ثم قال: «وهذا معارض بحديثين أحدهما أخرجه الترمذي والنسائي وصححه من طريق معمر عن يحيى بن كثير.. عن جابر قال: «كانت لنا جواري وكنا نعزل، فقالت اليهود: إن تلك الموؤودة الصغرى، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده»، قال: والحديث الثاني في النسائي من وجه آخر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة «٦٣» .
أقول: وواضح أن قول النبي ﷺ عن العزل: «الوأد الخفي»، لا يعني التحريم، بل الأظهر أن يحمل كلامه هذا- على ضوء الأحاديث الثابتة الأخرى- على النهي التنزيهي كما ذهب إلى ذلك الجمهور.
ودعوى ابن حزم أن الأحاديث المبيحة للعزل منسوخة، يردّها ما رواه الستة خلا أبا داود من حديث جابر: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل» . زاد مسلم: «فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا فلولا أن حكم إباحة العزل ظل مستمرا إلى وفاته ﷺ، لما قال جابر ﵁ ذلك، ولأوضح آخر ما استقر عليه الحكم الشرعي» .

(٦٢) انظر المحلى لابن حزم: ١٠/ ٨٧
(٦٣) راجع فتح الباري: ٩/ ٢٤٥

1 / 207