Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
Publisher
دار الفكر
Edition
الخامسة والعشرون
Publication Year
١٤٢٦ هـ
Publisher Location
دمشق
Regions
Syria
ليرابطوا مكان إخوانهم، حيث جاء هؤلاء فاقتدوا به ﷺ فصلى بهم الركعة الثانية التي بقيت من صلاته، ثم قاموا فأتموا وحدهم الركعة الثانية والنّبي ﷺ ينتظرهم جالسا، ثم سلّموا معه.
والذي اقتضى هذه الكيفية من الصلاة مع إمكان أدائهم الصلاة بجماعتين، سببان اثنان:
الأول: قصد اجتماعهم كلهم على الاقتداء برسول الله ﷺ، وتلك فضيلة لا يصار إلى غيرها عند إمكان تحقيقها.
الثاني: استحباب وحدة الجماعة قدر الإمكان، فتجزئة القوم أنفسهم إلى عدة جماعات تتوالى لأداء فريضة من الفرائض مكروه بدون ضرورة.
ولم يلاحظ السادة الحنفية إلا السبب الأول لها، ولذلك ذهبوا إلى أنه لا مسوغ لبقاء مشروعيتها بعد وفاة النّبي ﷺ.
ثالثا: قصة المشرك الذي أخذ سيف رسول الله ﷺ وهو نائم تحت الشجرة ... إلخ، قصة ثابتة صحيحة كما رأيت، وهي تكشف عن مدى رعاية الباري ﷻ وحفظه لنبيه ﷺ، ثم هي تزيدك يقينا بالخوارق التي أخضعها الله ﷻ له ﵊ مما يزيدك تبصرا ويقينا بشخصيته النّبوية، فقد كان من السهل الطبيعي بالنسبة لذلك المشرك- وقد أخذ السيف ورفعه فوق النّبي ﷺ وهو أعزل غارق في غفلة النوم- أن يهوي به عليه فيقتله، وإنك لتلمس من ذلك المشرك هذا الاعتداد بنفسه والزهو بالفرصة الذهبية التي أمكنته من رسول الله ﷺ، في قوله: من يمنعك مني!؟ .. فما الذي طرأ بعد ذلك حتى عاقه عن القتل؟ .. إن الذي طرأ.. هو ما لم يكن في حساب المشرك وتقديره، ألا وهو عناية الله وحفظه لرسوله، فقد كانت العناية الإلهية كافية لأن تملأ قلب المشرك بالرعب وأن تقذف في ساعديه تيارا من الرجفة، فيسقط من يده السيف.. ثم يجلس متأدبا مطرقا بين يدي رسول الله.
وأهم ما يجب أن تعلمه من هذه الحادثة أن هذا هو مصداق قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٥/ ٦٧] . فليست العصمة المقصودة في الآية، أن لا يتعرض لأذى أو محنة من قومه، إذ تلك هي سنّة الله في عباده كما قد علمت. وإنما المراد من العصمة أن لا تطول إليه أي يد تحاول اغتياله وقتله لتغتال فيه الدعوة الإسلامية التي بعث لتبليغها.
رابعا: إنما ذكرنا قصة جابر بن عبد الله وما كان بينه وبين رسول الله ﷺ من المحادثة في طريق عودتهما إلى المدينة، مع أنها لا تتعلق بشيء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول الله ﷺ مع أصحابه، وما انطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف في المعاشرة ورقة في الحديث وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه.
فأنت إذا تأملت جيدا في هذه القصة التي سردناها، علمت أن النّبي ﷺ كان متأثرا بالمحنة
1 / 200