Fiqh al-sīra
فقه السيرة
Publisher
دار القلم
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٧ هـ
Publisher Location
دمشق
قال أبو سفيان زعيم مكة: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا!!.
فقال بديل بن ورقاء: هذه- والله- خزاعة، حمشتها الحرب.
فردّ أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وكان المسلمون على خطتهم المرسومة، يبثون العيون حولهم، حتى يأخذوا قريشا على غرّة، فلا ترى من التسليم بدّا، فعثرت خيالتهم على رجال قريش أولئك، ومعهم حكيم بن حزام، فأخذتهم، وعادت بهم مسرعة إلى رسول الله ﷺ، ولحق العباس بالأسرى وهو يعلن أنّهم في جواره، فلما دخلوا على النبي ﷺ حادثهم عامّة الليل، فانشرحت صدورهم بالإسلام، وإن كان أبو سفيان قد تأخّر إسلامه حتى طلع الصبح ...
ثم سألوه الأمان لقريش، فقال رسول الله ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن أغلق بابه فهو امن» «١» .
وإنما أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان هذه الميزة إرضاء لعاطفة الفخر في نفسه، وقد أرضاه بما لا يضرّ أحدا، ولا يكلّف جهدا، ولا عليه أن يتحبّب إلى نفس بمثل هذا الثمن الميسور. وأراد رسول الله ﷺ أن يستوثق من سير الأمور بعيدا عن الحرب والضرب، فضمّ إلى ذلك المسلك مع أبي سفيان أن أوصى العبّاس باحتجازه في مضيق الوادي، حتى يستعرض القوى الزاحفة كلّها، فلا تبقى في نفسه أثارة لمقاومة، وهو سيد مكة المتبوع، قال العباس: فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي، حيث أمرني رسول الله ﷺ، ومرّت القبائل على راياتها، كلّما مرت قبيلة قال: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: سليم! فيقول:
ما لي ولسليم؟ ثم تمرّ به القبيلة، فيقول: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: مزينة!
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن هشام: ٢/ ٢٦٨، عن ابن إسحاق معضلا؛ لكن وصله عند ابن جرير: ٢/ ٣٣٠- ٣٣٢، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، وحسين هذا ضعيف، لكن قال الهيثمي في (المجمع: ٦/ ١٦٥- ١٦٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، فالظاهر أنّه عنده من غير هذا الطريق الضعيف؛ ورواه أبو داود: ٢/ ٤١، عن ابن إسحاق بإسناد اخر له عن ابن عباس وفيه رجل لم يسم، وله عنده إسناد ثالث ورجاله ثقات. لكن لم يصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ثم أخرجه هو ومسلم: ٥/ ١٧٢- ١٧٣، من حديث أبي هريرة، إلا أنه قال: «ومن ألقى السلاح فهو امن»، بدل: «ومن دخل المسجد فهو امن» .
1 / 379