250

Fiqh al-sīra

فقه السيرة

Publisher

دار القلم

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٧ هـ

Publisher Location

دمشق

وأقبل أبي بن خلف الجمحيّ على النبي ﵊ وكان قد حلف أن يقتله- وأيقن أنّ الفرصة سانحة، فجاء يقول: يا كذّاب أين تفر! وحمل على الرسول ﷺ بسيفه.
فقال النبي ﷺ: «بل أنا قاتله إن شاء الله»، وطعنه في جيب درعه طعنة وقع منها يخور خوار الثور، فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات «١» .
ومضى النبيّ ﷺ يدعو المسلمين إليه، واستطاع- بالرجال القلائل الذين معه- أن يصعد فوق الجبل، فانحازت إليه الطائفة التي اعتصمت بالصخرة وقت الفرار.
وفرح النبي ﵊ أن وجد بقية من رجاله يمتنع بهم، وعاد لهؤلاء صوابهم إذ وجدوا الرسول حيا وهم يحسبونه مات.
ويبدو أن إشاعة قتل النبي ﷺ سرت على أفواه كثيرة، فقد مرّ أنس بن النضر بقوم من المسلمين ألقوا أيديهم، وانكسرت نفوسهم، فقال: ما تنتظرون؟.
قالوا: قتل رسول الله ﷺ! فقال: وما تصنعون بالحياة بعده؟.
قوموا فموتوا على ما مات عليه ... ثم استقبل المشركين، فما زال يقاتلهم حتى قتل ...
ولم تتوان قريش من جانبها في مهاجمة الرسول ﷺ ومن انحاز إليه من أصحابه بغية الإجهاز عليه وعليهم، ومرّت ساعة عصيبة من أحرج الساعات في تاريخ الدنيا، وفرسان المشركين ورماتهم يحملون- بعناد وإلحاح- لتحقيق أمنيتهم، فقتل بين يدي النبي ﷺ خلق كثير، وهم ينافحون دونه، جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، ثم سقط بين حي وميت، وترّس عليه أبو دجانة بظهره، فكان النبل يقع فيه وهو لا يتحرك.
روى مسلم: أنّ رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما أرهقه المشركون قال: «من يردّهم عنّي وله الجنّة؟» فتقدّم رجل

(١) هو من حديث السدي المتقدم، وقال ابن كثير: إنه غريب جدا وفيه نكارة لكن هذا القدر؛ وهو قصة قتله ﷺ لأبي بن خلف له شاهد من رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير، ومن رواية الزهري عن سعيد بن المسيّب، كما في (البداية): ٤/ ٣٢، وكلاهما مرسل.

1 / 262