والخُرُوجُ بِصُنْعِهِ.
===
﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (^١)، وقد التحق فعل النبيّ ﷺ وقوله بها بيانًا، وهو لم يفعلها قط بدون القعدة الأخيرة. والمواظبةُ من غير ترك دليلُ الفرضية، وإذا وقع بيانًا للفرض على الصلاة المجملة، كان متعلقها فرضًا بالضرورة إلاَّ ما خرج بدليله.
وقد روى أحمد وأبو داود والطَّحَاوِيّ عن ابن مسعود: «أنَّ النبيّ ﷺ أخذ بيده وعَلَّمه التشهد». وفي آخر الحديث: «إذا قلت هذا أو قَضَيْتَ هذا فقد قُضِيَتْ صلاتك، إنْ شِئْتَ أنْ تقوم فقم، وإنْ شئت أن تَقعد فاقعد»، فعلّق ﵊ تمام الصلاة بالقعود مع القراءة، وبالقعود بدونها. لأن معنى قوله: «إذا قلت هذا»: أيْ التشهّد في القعود، لأن قول التشهّد بدون القعود غير معتبر. وقوله: «أو قضيت هذا»: أيْ نفس القعود. فـ «أو» للتنويع، لا لشك الراوي.
فإنْ قيل: لا يلزم من تعليق التمام بالقعود كونه فرضًا، لجواز أنْ يكون واجبًا، فإنَّ الواجب أيضًا متمّم. أُجِيبَ بأنَّ قراءة التشهد من الواجبات، ولم يُعَلَّقْ التمام بها. فَعُلِمَ أنَّ المراد تمام الفرائض. هذا، وحديث ابن مسعود من غير هذه الزيادة متّفق عليه. وقال النووي: اتفق الحُفَّاظُ على أنها مدرجة، ليست من كلام النبيّ ﷺ وأنها من كلام ابن مسعود. جاء ذلك صريحًا بإدراجها، وقد أوضح ذلك الدَّارقُطْنِيّ والبيهقيّ وغيرهما. قلت: على الفرض والتسليم، فمثل هذا لا يُعْرَفُ إلاَّ سَمَاعًا، فهو في حكم المرفوع إجماعًا (^٢) .
(والخُرُوجُ) أي من الصلاة (بِصُنْعِهِ) أي بفعل المصلي ما ينافيها، وهذا عند أبي حنيفة على تخريج البَرْدَعِي، لأَنَّ للصلاة تحريمًا وتحليلًا. فلا يخرج منها إلاَّ بالصنع كالحج. وأما على تخريج الكَرْخِيّ فليس بفرض وهو الصحيح، لأنه ثَبَتَ بدليل ظنِّي: وهو ما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: «إذا قعد الإمام في آخر صلاته ثم أحدث قبل أن يتشهد (فقد تمت) (^٣) صلاته». وفي رواية: «قبل أنْ يُسَلِّم». وفي رواية: «قبل أنْ يتكلَّم» رواه أبو داود والترمذي والبيهقي. وقال الشافعيّ: الخروج من الصلاة بلفظ السلام فرض لقوله ﵊: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (^٤) .
(^١) سورة البقرة، الآية: (٤٣).
(^٢) هذا، وقد فَضَّل الزيلعي الكلام على هذه الزيادة في "نصب الراية" ١/ ٤٢٤، فانظره.
(^٣) في الأصل: "تم"، والتصويب من "سنن أبي داود" ١/ ٤١٠، رقم (٦١٧). وهو بلفظ مختلف.
(^٤) أخرجه أبو داود في "السنن" الموضع السابق، حديث رقم (٦١٨).