122

Fath al-Majīd sharḥ kitāb al-tawḥīd

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد

النجاة في الاعتصام بحبل الله
قال ﷺ: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، (رفعت الأقلام)، يعني: على ما انتهى من علم الله ﷾، وهو أن فلانًا يعيش قدر كذا، ويموت في يوم كذا، ويفعل كذا وكذا، فكل شيء هو فاعله إلى أن يموت قد كتب عند الله ﷾ في اللوح المحفوظ، و(جفت الصحف)، أي: بما هو كائن ومكتوب، فما سيفعله ويقوله كله مكتوب عند الله لن يزداد في قوله ولا عمله شيء فوق ما كتبه الله سبحانه في كتابه.
وفي رواية أخرى للإمام أحمد بسند حسن، قال النبي ﷺ: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك)، وفي الرواية الأولى: (تجده تجاهك)، والمعنى واحد، (تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة)، فالنبي ﷺ يعلم الصبي الصغير أن يتعرف إلى الله في الرخاء وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سرك أن يستجاب لك في البلاء فأكثر من الدعاء في الرخاء)، رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني ﵀، وفيه أنك إذا أحببت أن يستجيب الله ﷿ لك عندما تنزل بك بلية أو مصيبة فأكثر من الدعاء وعود لسانك عليه في وقت رخائك، ولا تتركه أبدًا لا في رخاء ولا بلاء، فإذا كنت على ذلك فالله ﷿ يستجيب لك.
وهذا معنى قول النبي ﷺ لـ ابن عباس: (تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة)، أي: تعرف إلى الله في الرخاء والله يعرفك في كل وقت، ومعنى المعرفة هنا: أنك في الرخاء إذا أكثرت من الطلب والعبادة ففي وقت شدتك لا يتركك الله ﷿ ترك المنسي، ولن يعاملك معاملة المنسيين، فعندما ترفع يدك تدعو ربك سبحانه فإن الملائكة تعرف ما تصنعه فتدعو لك، ويعرف الله ﷿ لك صنيعك في وقت الشدة فيعطيك.
قال: (وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن)، أي: كل ما ستفعله حتى تلقى الله مكتوب عند الله ﷿، ومن المستحيل أن يزاد في ذلك؛ لأن علم الله ﷿ لا يتغير.
فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، فالذي كتبه الله ﷿ لك هو الذي يصيبك فلا تبتئس إذا لم يأتك الشيء الذي تتمناه، وكم رأينا من أناس يتمنون بقاء الشيء، ويكتب شكاوى وطلبات والتماسات من أجل حاجة يريدها ثم لا يحصل على شيء، وقد يكون الذي لا يتمناه ولا يريده حتى يموت على ذلك.
فعلى المؤمن أن يأخذ بالأسباب، ويعلم أنه لن يأتيه شيء لم يكتبه الله ﷿ ولن يمنع شيئًا قد أراده الله ﷾، الله ﷿ ما ينفعه من أمر دينه وديناه.
يقول: (وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا)، يعلم النبي ﷺ الصبي الصغير هذا الكلام العظيم، وهذه من الحكم النبوية الكريمة الجليلة حتى ينشأ هذا الصغير وقد علمه النبي ﷺ ذلك فينطق بالحكمة، ولذلك كان ابن عباس ﵁ حبر هذه الأمة وترجمان القرآن رضي الله ﵎ عنه ببركة دعاء النبي ﷺ له: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).

9 / 9