180
ودواعيه المعتبرة وقبل بيانها لا بد من الإشارة إلى قضيتن هامتين:
الأولى: إن الإختلافات الفقهية بين علماء الإسلام كأصحاب المذاهب الأربعة (أبو حينفة ومالك والشافعي وأحمد) هي اختلافات في الفروع أي في المسائل الفقهية والقواعد والأسس التي بنيت عليها تلك الفروع.
وأما أصول الإسلام وقواعد العقيدة فهي محل اتفاق بين عامة علماء الإسلام لا خلاف بينهم فيها.
الثانية: إن الإختلافات في فروع الإسلام موجودة منذ عهد الرسول ﷺ وصحابته الكرام ﵃ ومن الشواهد على ذلك:
عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم) رواه البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماءً فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا ثم وجد الماء في الوقت، فتوضأ أحدهما وأعاد اصلاة ولم يعد الآخر، ثم أتيا الرسول ﷺ فذكرا ذلك له، فقال: للذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد لك الأجر مرتين) رواه أبو داود والنسائي وهو حديثٌ صحيح.
ونلاحظ في هذين الحديثين أن الرسول ﷺ لم ينكر على الصحابة اختلافهم في قضايا فرعية بل أقر كل طرف على ما وصل إليه اجتهاده.
واختلاف فقهاء المسلمين في أبواب الفقه الإسلامي له أسبابه المعتبرة وكل إمام من أئمة الفقه بنى مذهبه الفقهي على قواعد وأسس وضوابط معروفة.
وهؤلاء الأئمة ما كانوا يصدرون في اجتهاداتهم وآرائهم الفقهية عن هوىً أو تشهٍ أو قولٍ في دين الله بغير دليل وإنما لدى كل منهم أصولٌ بنى

1 / 194