Fatāwā Ḥusām ʿAffāna
فتاوى د حسام عفانة
١٣٩ - صلاة الجمعة
يقول السائل: إن خطيب الجمعة في مسجد بلدتهم أطال الخطبة فاعترض عليه عدد من المصلين أثناء الخطبة وطلبوا منه أن ينهي خطبته وحصل كلام ولغط في المسجد أثناء الخطبة، فما حكم ذلك؟
الجواب: إن خير الهدي هدي محمد ﷺ وقد كان من هديه ﷺ تقصير خطبة الجمعة وغيرها من الخطب إلا نادرًا فقد ثبت في الحديث عن أبي وائل قال: (خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة وإن من البيان سحرًا) رواه مسلم. وقوله لو تنفست أي لو أطلت قليلًا، وقوله مئنة من فقهه أي علامة على فقهه قاله الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ٦/١٥٨. وورد في رواية أخرى عن أبي راشد قال: (خطبنا عمار فتجوز في الخطبة فقال رجل: قد قلت قولًا شفاءً لو أنك أطلت، فقال عمار: إن رسول الله ﷺ نهى أن نطيل الخطبة) رواه ابن أبي شيبة. وجاء في الحديث عن عمار بن ياسر ﵄ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب) رواه أبو داود والبيهقي، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٠٥-٢٠٦. وجاء في الحديث عن جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هن كلمات يسيرات) رواه أبو داود وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٠٦. وورد في رواية أخرى عن جابر بن سمرة قال: (كانت صلاة رسول ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس) رواه مسلم. وقوله: (قصدًا وخطبته قصدًا) القصد في الشيء هو الاقتصاد فيه وترك التطويل وإنما كانت صلاته ﷺ وخطبته كذلك لئلا يمل الناس والحديث فيه مشروعية إقصار الخطبة ولا خلاف في ذلك بين العلماء، عون المعبود شرح سنن أبي داود ٣/٣١٦-٣١٧.
وهذه الأحاديث تدل على أن السنة تقصير خطبة الجمعة وتطويل الصلاة فهذا هو هدي النبي ﷺ ولكن أكثر خطباء الجمعة اليوم لا يقتدون بهدي النبي ﷺ بل إنهم يعكسون الأمر فيطيلون الخطبة ويقصرون الصلاة. إذا تقرر هذا فنعود إلى السؤال حيث إن الخطيب قد أطال الخطبة فاعترض عليه عدد من المصلين فأقول لا ينبغي لأحد أن يعترض على خطيب المعة ولا يجوز لأحد أن يتكلم أثناء الخطبة فإذا أطال الخطيب فعلى المصلين أن يصبروا ويحتسبوا وقال جمهور أهل العلم يمنع جميع أنواع الكلام أثناء الخطبة ويدل على ذلك عموم قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) سورة الأعراف الآية ٢٠٤. ومن المعلوم أن الخطبة تشتمل على آيات من القرآن الكريم فتدخل في وجوب الإنصات والاستماع إليها وقد ذكر جماعة من التابعين كمجاهد وعطاء وسعيد بن جبير أن هذه الآية نزلت في الخطبة وضعف ذلك الإمام القرطبي في تفسيره ٧/٣٥٣. وأقوى من ذلك في الاستدلال على منع الكلام أثناء الخطبة ما جاء في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر: [واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة وبه قال الجمهور في حق من سمعها وكذا الحكم في حق من لا يسمعها عند الأكثر قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة] فتح الباري ٣/٦٦. ويدل على ذلك أيضًا ما جاء في الحديث عن أبي ذر أنه قال: (دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلست قريبًا من أبي بن كعب فقرأ النبي ﷺ سورة براءة فقلت لأبي: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهمني ولم يكلمني ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني فلما صلى النبي ﷺ قلت لأبي: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني، قال أبي: مالك من صلاتك إلا ما لغوت. فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت يا نبي الله: كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة فسألته متى نزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت! قال النبي ﷺ: صدق أبي) رواه ابن خزيمة وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص ٣٠٣.
وعن جابر ﵁ قال: (دخل عبد الله من مسعود المسجد والنبي ﷺ فجلس إلى جنب أبي بن كعب فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم يرد عليه أبي وظن ابن مسعود أنها موجدة - أي غضب - فلما انفتل النبي ﷺ من صلاته قال ابن مسعود: يا أبي ما منعك أن ترد علي؟ قال: إنك لم تحضر معنا الجمعة. قال: لمَ؟ قال: تكلمت والنبي ﷺ يخطب. فقام ابن مسعود فدخل على النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: صدق أبي، صدق أبي، أطع أبيًا) رواه أبو يعلى بإسناد جيد وابن حبان وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص ٣٠٤. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها ولبس من صالح ثيابه ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كان كفارة لما بينهما ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا) رواه ابو داود وابن خزيمة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص ٣٠٥. وعن عبد الله بن عمرو أيضًا قال رسول الله ﷺ: (يحضر الجمعة ثلاثة نفر فرجل حضرها يلغو فذلك حظه منها ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدًا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك أن الله يقول: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا» رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في المصدر السابق. وقد شبه النبي ﷺ من يتكلم أثناء خطبة الجمعة بالحمار يحمل أسفارًا فقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا والذي يقول له أنصت ليست له جمعة) قال الحافظ ابن حجر: رواه أحمد بإسناد لا بأس به. وهو يفسر حديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعًا: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) بلوغ المرام ص ٩١. وذكر ابن حزم بإسناده عن بكر بن عبد الله المزني: (أن علقمة بن عبد الله المزني كان بمكة فجاء كريه - أي الذي أجره الدابة - والإمام يخطب يوم الجمعة فقال له: حبست القوم قد ارتحلوا فقال له: لا تعجل حتى تنصرف فلما قضى صلاته قال له ابن عمر: أما صاحبك فحمار وأما أنت فلا جمعة لك) . المحلى ٣/٢٦٩-٢٧٠.
وأخيرًا أبين أن جماعة من أهل العلم يرون أن من تكلم عامدًا أثناء الخطبة فلا جمعة له وتحسب له ظهرًا لما جاء في الحديث: (ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا) وقد سبق. ومن العلماء من قال إن الجمعة تجزئ ولكن أجرها قد بطل ولم ينل الفضيلة.
6 / 139