211
فَقَالَ لَهُ الْوَلِيّ هَذَا الحَدِيث بَاطِل قَالَ وَمن أَيْن لَك هَذَا قَالَ هَذَا النَّبِي ﷺ وَاقِف على راسك يَقُول إِنِّي لم أقل هَذَا الحَدِيث وكشف للفقيه فَرَآهُ (وَسُئِلَ) رَحمَه الله تَعَالَى وَبرد ثراه مَا معنى قَول صوفي من اكْتفى بالفقه عَن الزّهْد فسق (فَأجَاب) بقوله مَعْنَاهُ من تساهل فِي الزّهْد والورع أدّى ذَلِك إِلَى ارْتِكَاب الشُّبُهَات وَمن تساهل فِي ارْتِكَاب الشُّبُهَات أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى ارْتِكَاب الْحَرَام وَمن تساهل فِي الْحَرَام أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى ارْتِكَاب الْكَبَائِر على أَن الصُّوفِيَّة ﵃ قد يطلقون لفظ السَّيئَة وَالْفِسْق وَالْكفْر على غير مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ مُبَالغَة فِي التنفير كَقَوْلِهِم حَسَنَات الْأَبْرَار سيآت المقربين وَقَول سَيِّدي عمر بن الفارض ﵁
(وَإِن خطرت لي فِي سواك إِرَادَة ... على خاطري سَهْو أقضيت بردتي)
فَهَذَا لَيْسَ بردة حَقِيقَة (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن رقص الصُّوفِيَّة عِنْد تواجدهم هَل لَهُ أصل (فَأجَاب) بقوله نعم لَهُ أصل فقد روى فِي الحَدِيث أَن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ رقص بَين يَدي النَّبِي ﷺ لما قَالَ لَهُ أشبهت خَلقي وخُلقي وَذَلِكَ من لَذَّة هَذَا الْخطاب وَلم يُنكر عَلَيْهِ ﷺ وَقد صَحَّ الْقيام والرقص فِي مجَالِس الذّكر وَالسَّمَاع عَن جمَاعَة من كبار الْأَئِمَّة مِنْهُم عز الدّين شيخ الْإِسْلَام ابْن عبد السَّلَام (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل تمكن رُؤْيَة النَّبِي ﷺ فِي الْيَقَظَة (فَأجَاب) بقوله أنكر ذَلِك جمَاعَة وَجوزهُ آخَرُونَ وَهُوَ الْحق فقد أخبر بذلك من لايتهم من الصَّالِحين بل اسْتدلَّ بِحَدِيث البُخَارِيّ من رَآنِي فِي الْمَنَام فسيراني فِي الْيَقَظَة أَي بعيني رَأسه وَقيل بِعَين قلبه وَاحْتِمَال إِرَادَة الْقِيَامَة بعيد من لفظ الْيَقَظَة على أَنه لَا فَائِدَة فِي التَّقْيِيد حِينَئِذٍ لِأَن أمته كلهم يرونه يَوْم الْقِيَامَة من رَآهُ فِي الْمَنَام وَمن لم يره فِي الْمَنَام وَفِي شرح ابْن أبي جَمْرَة للأحاديث الَّتِي انتقاها من البُخَارِيّ تَرْجِيح بَقَاء الحَدِيث على عُمُومه فِي حَيَاته ومماته لمن لَهُ أَهْلِيَّة الِاتِّبَاع للسّنة وَلغيره قَالَ وَمن يدعى الْخُصُوص بِغَيْر تَخْصِيص مِنْهُ ﷺ فقد تعسف ثمَّ ألزم مُنكر ذَلِك بِأَنَّهُ غير مُصدق بقول الصَّادِق وَبِأَنَّهُ جَاهِل بقدرة الْقَادِر وَبِأَنَّهُ مُنكر لكرامات الْأَوْلِيَاء مَعَ ثُبُوتهَا بدلائل السّنة الْوَاضِحَة وَمرَاده بِعُمُوم ذَلِك وُقُوع رُؤْيَة الْيَقَظَة الْمَوْعُود بهَا لمن رَآهُ فِي النّوم وَلَو مرّة وَاحِدَة تَحْقِيقا لوعده الشريف الَّذِي لَا يخلف وَأكْثر مَا يَقع ذَلِك للعامة قبل الْمَوْت عِنْد الاحتضار فَلَا تخرج روحه من جسده حَتَّى يرَاهُ وَفَاء بوعده وَأما غَيرهم فَيحصل لَهُم ذَلِك قبل ذَلِك بقلة أَو بِكَثْرَة بِحَسب تأهلهم وتعلقهم واتباعهم للسّنة إِذْ الْإِخْلَال بهَا مَانع كَبِير وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ أَن الْمَلَائِكَة كَانَت تسلم عَلَيْهِ إِكْرَاما لَهُ لِصَبْرِهِ على ألم البواسير فَلَمَّا كواها انْقَطع سَلام الْمَلَائِكَة عَنهُ فَلَمَّا ترك الكي أَي برِئ كَمَا فِي رِوَايَة صَحِيحَة عَاد سلامهم عَلَيْهِ لكَون الكي خلاف السّنة منع تسليمهم عَلَيْهِ مَعَ شدَّة الضَّرُورَة إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يقْدَح فِي التَّوَكُّل وَالتَّسْلِيم وَالصَّبْر وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ كَانَت الْمَلَائِكَة تصافحه فَلَمَّا كوى تنحت عَنهُ وَفِي كتاب المنقذ من الضَّلَالَة لحجة الْإِسْلَام بعد مدح الصُّوفِيَّة وَبَيَان أَنهم خير الْخلق حَتَّى أَنهم وهم فِي يقظتهم يشاهدون الْمَلَائِكَة وأرواح الْأَنْبِيَاء ويسمعون مِنْهُم أصواتا ويقتبسون مِنْهُم فَوَائِد ثمَّ يترقى الْحَال من مُشَاهدَة الصُّور والأمثال إِلَى دَرَجَات يضيق عَنْهَا نطاق النَّاطِق وَقَالَ تِلْمِيذه أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي ورؤية الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة وَسَمَاع كَلَامهم مُمكن لِلْمُؤمنِ كَرَامَة وللكافر عُقُوبَة وَفِي الْمدْخل لِابْنِ الْحَاج الْمَالِكِي رُؤْيَته ﷺ فِي الْيَقَظَة بَاب ضيق وَقل من يَقع لَهُ ذَلِك إِلَّا من كَانَ على صفة عَزِيز وجودهَا فِي هَذَا الزَّمَان بل عدمت غَالِبا مَعَ أننا لَا ننكر من يَقع لَهُ هَذَا من الأكابر الَّذين حفظهم الله تَعَالَى فِي ظواهرهم وبواطنهم قَالَ وَقد أنكر بعض عُلَمَاء الظَّاهِر ذَلِك محتجا بِأَن الْعين الفانية لَا ترى الْعين الْبَاقِيَة وَهُوَ ﷺ فِي دَار الْبَقَاء والرائي فِي دَار الفناء ورد بِأَن الْمُؤمن إِذا مَاتَ يرى الله وَهُوَ لَا يَمُوت وَالْوَاحد مِنْهُم يَمُوت فِي كل يَوْم سبعين مرّة وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيّ إِلَى رده بِأَن نَبينَا ﷺ رآى جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء لَيْلَة الْمِعْرَاج وَقَالَ الْبَارِزِيّ وَقد سمع من جمَاعَة من الْأَوْلِيَاء فِي زَمَاننَا وَقَبله أَنهم رَأَوْا النَّبِي ﷺ يقظة حَيا بعد وفاقه وَنقل اليافعي وَغَيره عَن الشَّيْخ

1 / 212