Al-fatāwā al-ḥadīthiyya
الفتاوى الحديثية
Publisher
دار الفكر
ومحرمه أورثه الله من الْعلم الإلهي مَا لم يكن يُعلمهُ قبل لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ هَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْهُ وَلَا يجوز تَخْصِيصه بِمن ينظر فِي الوقائع ٣ قبلهم فِيمَا لم يكن عِنْده إِذْ لَا دَلِيل على هَذَا التَّخْصِيص بل الحَدِيث شَامِل للفقهاء وَغَيرهم وَقد ذكر بعض الْعلمَاء العارفين الَّذين عاملهم الله ﷿ بذلك إِن لكل طَاعَة نوعا من الْعلم يخْتَص بهَا لَا يَتَرَتَّب على غَيرهَا كَمَا أَن الثَّوَاب كَذَلِك والإلهام من جملَة مَا عجله الله تَعَالَى من ثَوَاب الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَإِن الله تَعَالَى يُعْطي بهَا فِي الدُّنْيَا ويجازي بهَا فِي الْأُخْرَى فَلِكُل عمل مِنْهَا الإلهام يخْتَص بِهِ فأفضله لَا فَضلهَا لِأَن من جملَة ثَوَابهَا وَكَذَلِكَ التَّوْفِيق للطاعات مُرَتّب على فَضَائِل الْأَعْمَال (وَسُئِلَ) عَن ندب وَلَا بِشَيْء من نعمك رَبنَا نكذب فلك الْحَمد عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وتكريرها بتكريرها وَالله رب الْعَالمين آخر تبَارك الْملك وَالتَّكْبِير فِي ختم الضُّحَى وَمَا بعْدهَا مَا دَلِيله وَمن رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله ﵁ روى الأول عَنهُ ﷺ الطَّبَرَانِيّ وَفِيه أَنه ﷺ أثنى على الْجِنّ إِذْ قَالُوا ذَلِك عِنْد قِرَاءَته عَلَيْهِم سُورَة الرَّحْمَن عِنْد كل ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وروى الْبَقِيَّة الْبَيْهَقِيّ (وَسُئِلَ) ﵁ عَن حَدِيث الْأَسْمَاء الْحسنى الْمَشْهُور اتّفقت عَلَيْهِ الطّرق أم اخْتلفت بِأَلْفَاظ وأحرف فِي بَعْضهَا أَو زِيَادَة عَلَيْهَا (فَأجَاب) بقوله ورد المقيت بدل المغيث والمبين بدل المتين والقريب بدل الرَّقِيب والرافع بدل الْمَانِع والقائم بدل الدَّائِم وَبدل الْقَابِض الباسط والشديد بل الرشيد وَجَاء فِي رِوَايَات الْأَعْلَى الْمُحِيط مَالك يَوْم الدّين الراشد الفاطر الْعَادِل الْمُنِير الرب الْفَرد الْكَافِي القاهر الصَّادِق الْجَمِيل الْبَارِي الْقَدِيم الْبَاقِي الوفي الْبُرْهَان الوافي الْقَدِير الْحَافِظ الْمُعْطِي الْعَالم الْأَبَد الْوتر ذُو الْقُوَّة الحنان المنان الخلاق العلام (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَمَّا حكى الدَّمِيرِيّ تَخْرِيجه فِي شرح الْمِنْهَاج وَشرح سنَن ابْن مَاجَه عَن السّنَن الصِّحَاح لِابْنِ السّني ومسند أبي يعلى الْموصِلِي عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ بِمَكَّة إِذا أَرَادَ قَضَاء الْحَاجة خرج إِلَى المغمس قَالَ نَافِع وَهُوَ على ميلين من مَكَّة انْتهى فَهَل يَقْتَضِي هَذَا ندب الْخُرُوج من مَكَّة لمريد قَضَائهَا أَولا فيجاب عَن الْخَبَر وَعَلِيهِ فَمَا الْجَواب وَإِذا قُلْتُمْ بالندب فَهَل صرح بِهِ أحد من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة أَو غَيرهم وَمَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاق الدَّمِيرِيّ لَهُ عِنْد قَول الْمِنْهَاج وَيبعد (فَأجَاب) بقوله هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا سيق مُوَافقَة لحَدِيث أبي دَاوُد وَغَيره أَنه ﷺ كَانَ لَا يَأْتِي البرَاز حَتَّى يتغيب فَلَا يرى فَمن ثمَّ نَص الْأَئِمَّة على ندب الإبعاد عَن النَّاس حَتَّى لَا يرى شخص قَاضِي الْحَاجة فَهَذَا هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْخَبَر فَإِن قلت التغيب حَتَّى لَا يرى الشَّخْص يحصل بِدُونِ هَذِه الْمسَافَة فَمَا حِكْمَة هَذَا الْبعد المفرط قلت لَعَلَّه ﷺ علم انتشار النَّاس حوالي مَكَّة فَلم يَتَيَسَّر لَهُ مَحل خَال غير ذَلِك فَعلم أَن الْخَبَر لَا بدل على ندب خُصُوص الْخُرُوج من مَكَّة على أَنه إِنَّمَا يتَوَهَّم لَو كَانَ المغمس من الْحل فَإِذا كَانَ من الْحرم فَلَا يتَوَهَّم أصلا إِذْ لَا فرق بَين مَكَّة وَبَقِيَّة الْحرم فِي الاحترام (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن قَوْله ﷺ أَنا بَرِيء من مُسلم مُقيم بَين أظهر الْمُشْركين قَالُوا لم قَالَ لَا تتراءى ناراهما (فَأجَاب) بقوله هَذَا تَعْلِيل للبراءة فَحذف لَام التَّعْلِيل وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْعلَّة والمعلول أَن فِي الْإِقَامَة بَينهم تَكْثِير سوادهم وَإِنَّهُم لَو قصدهم جَيش غزَاة رُبمَا مَنعهم مِنْهُم رُؤْيَة نيران الْمُسلمين مَعَ نيرانهم فَإِن الْعَرَب كَانُوا عِنْد تقَابل الجيوش يعْرفُونَ كثرتها بِرُؤْيَة النيرَان كَمَا وَقع ذَلِك فِي إرسالهم لرؤية جَيْشه ﷺ بمر الظهْرَان عِنْد قصد مَكَّة لفتحها فَلَمَّا كَانَ فِي إِقَامَة الْمُسلمين بَين أظهر الْمُشْركين هَذَا الْمَحْذُور الْعَظِيم وَهُوَ منع الْمُسلمين من غزوهم أَو إِدْخَال ٢ عدم مرعب عَلَيْهِم برِئ مِنْهُ ﷺ لكَونه سَببا لعدم جهادهم فَالنَّار على حَقِيقَتهَا فِي الْأَمريْنِ وَهُوَ الْوَجْه الظَّاهِر الْمُنَاسب المنضبط كَمَا علمت فَإِن قلت قدينا فِيهِ قَول الْفُقَهَاء تجوز الْإِقَامَة بَينهم لمن أَمن على نَفسه قلت لَا يُنَافِيهِ لأَنهم شرطُوا أَمنه على إِظْهَار دينه وَإِذا أَمن ذَلِك كَانَ فِي إِقَامَته بَينهم مصلحَة للْمُسلمين راجحة على خُرُوجه من بَينهم فجوزوا لَهُ ذَلِك لِئَلَّا يصير مَحَله لهجرته مِنْهُ دَار حَرْب بل تجب عَلَيْهِ الْإِقَامَة حِينَئِذٍ فَإِن قلت التَّعْلِيل فِي الحَدِيث بالخشية مِنْهُم على دينه أظهر فَلم عدل لذَلِك قلت لِأَن فِيمَا ذكر فِي الحَدِيث مضرَّة الْمُقِيم فَقَط على أَن حُرْمَة الْإِقَامَة لخشية الْفِتْنَة مَعْلُوم عِنْد كل أحد فَلَا يحْتَاج للتّنْبِيه عَلَيْهِ بِخِلَاف حرمتهَا لترائي
1 / 204