200
على الْحُرْمَة أَو الْكفْر إِذا نسبه للأنواء وَبِه صرح الْبَاجِيّ فَقَالَ نِسْبَة ذَلِك للمطر إِمَّا مَعَ اعْتِقَاد أَنه فَاعل أَو دَلِيل وَالْأول كفر قَالَ وَبَعض الْجُهَّال يَقُول هَذَا من الْأَخْبَار بمغيب لِأَنَّهُ إِنَّمَا أخبر بِمَا دلّت عَلَيْهِ النُّجُوم لِأَنَّهُ مَا من شَيْء إِلَّا والنجوم دَالَّة عَلَيْهِ وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ مِمَّا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ فَلَا دَلِيل عَلَيْهِ وَلَو قَالَ إِن الْعَادة نزُول الْمَطَر عِنْد نوء كَذَا والنوء لَا تَأْثِير لَهُ فِي نزُول الْمَطَر فَلَا يكفر إِلَّا أَنه لَا يجوز إِطْلَاق هَذَا اللَّفْظ بِوَجْه وَإِن لم يَعْتَقِدهُ لوُرُود الشَّرْع بِالْمَنْعِ مِنْهُ لما فِيهِ من إِيهَام السَّامع انْتهى وَفِيمَا قَالَه نظر وَلم يرد فِي الشَّرْع مَا يمْنَع مِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنى بل قد جَاءَ عَن عمر ﵁ أَنه كَانَ يَقُول مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا فَالْحق مَا قَالَه غير الْبَاجِيّ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّتنَا على أَن من قَالَ ذَلِك مُعْتَقد التَّأْثِير الْكَوْكَب وَحده أَو مَعَ الله تَعَالَى كَافِر وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ وَمن قَالَه مُعْتَقدًا أَن الْكَوْكَب جعله الله عَلامَة على كَذَا بِحَسب مَا اسْتَقر فِي الْعَادة فَلَيْسَ بِحرَام وعَلى هَذَا نَص الشَّافِعِي ﵁ فَقَالَ إِذا قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا يُرِيد فِي وَقت كَذَا فَهُوَ كَقَوْلِه مُطِرْنَا فِي شهر كَذَا وَهَذَا لَا يكون كفرا من مُسلم وَلَا حَرَامًا بِخِلَاف قَول أهل الشّرك لأَنهم يَعْتَقِدُونَ التَّأْثِير لَهُ وَفِي سَماع ابْن الْقَاسِم فِي الرجل ينظر فِي النُّجُوم فَيَقُول الشَّمْس تكسف غَدا وَالرجل يقدم بعد غَد أرى أَن يزْجر قَالَ فَإِنِّي لَا أرى هَؤُلَاءِ المعالجين الَّذِي يَزْعمُونَ أَنهم يعالجون المجانين بِالْقُرْآنِ قد كذبُوا وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا وَلَو كَانَ لعلمته الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فقد صنع لَهُ ﷺ طَعَام مَسْمُوم فَلم يعرفهُ حَتَّى أخْبرته الشَّاة وَقَالَ ابْن رشد لَيْسَ قَول الرجل الشَّمْس تكسف غَدا بِعلم الْحساب كَقَوْلِه فلَان يقدم غَدا فِي جَمِيع الْوُجُوه لِأَن النيرين مسخران يجريان فِي أفلاكهما من برج إِلَى آخر على تَرْتِيب وحساب وَقد لَا يبعد فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل﴾ إِلَى قَوْله ﴿وكل فِي فلك يسبحون﴾ وَقَالَ ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان﴾ فالقمر سريع الجري يقطع الْفلك فِي شهر وَلَا تقطعه الشَّمْس إِلَّا فِي اثْنَي عشر شهرا وَالْحَاصِل أَن دَعْوَى الْكُسُوف لَيست من علم الْغَيْب فِي شَيْء لِأَنَّهُ يُدْرِكهُ بِالْحِسَابِ فَلَا ضلال فِيهِ وَلَا كفر لَكِن يكره الِاشْتِغَال بِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يعْنى وَفِي الْخَبَر بِهِ قبل وُرُوده ضَرَر فِي الدّين لِأَن الْجَاهِل إِذا سمع بِهِ ظن أَنه من علم الْغَيْب فيزجر عَن ذَلِك فَاعله ويؤدب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من جملَة حبائل الشَّيْطَان وَالْحَاصِل أَنه تقدم للمازري عَن سَحْنُون أَنه كَانَ يُؤَدب عَلَيْهِ وَعَن أبي الطّيب أَن ذَاك جَائِز لِأَنَّهُ مِمَّا يعلم بدقيق الْحساب كالمنازل وَهَذَا جَائِز تعلمه وتعليمه إِجْمَاعًا فَكَذَا الْكُسُوف وَاعْترض القَوْل بتأديب قَائِله بِأَنا إِذا كُنَّا نرى بالعيان صدق قَوْلهم وأصابتهم فِي الْأَخْبَار بِهِ ثمَّ رددناه كَانَ ذَلِك مُكَابَرَة للحس فَإِذا رَآهُ الْعَاميّ وَمن لم يعرف أوجد فِي نَفسه رِيبَة من الشَّرِيعَة وَالدّين فَكَانَ من الْمصلحَة والحرص على هَذِه الْقَاعِدَة أَن يصدقُوا فِي ذَلِك وَلَا يُنكر عَلَيْهِم مَا يَقُولُونَهُ وَاخْتلفُوا فِي المنجم يقْضِي بتنجيمه فَيَقُول أَنه يعلم مَتى يقدم فلَان وَمَا فِي الْأَرْحَام وَوقت نزُول الأمطار وحدوث الْفِتَن والأهوال وَمَا يسر النَّاس من الْأَخْبَار وَغير ذَلِك من المغيبات فَقَالَ بعض الْمَالِكِيَّة أَنه كَافِر يجب قَتله من غير اسْتِتَابَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد صرفناه بَينهم لِيذكرُوا﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِلَّا كفورا﴾ وَلقَوْله ﷺ أصبح من عبَادي مُؤمن بِي وَكَافِر بِي الحَدِيث بِطُولِهِ وَقَالَ بَعضهم يقتل بعد استتابته فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وروى عَن أَشهب وَقَالَ بَعضهم يزْجر ويؤدب قَالَ بعض محققيهم وَالَّذِي أَقُول بِهِ أَنه لَيْسَ باخْتلَاف قَول وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاف فِي الْأَحْكَام بِحَسب الْأَحْوَال فَإِن كَانَ المنجم يعْتَقد فِي النُّجُوم أَنَّهَا الفاعلة لذَلِك كُله مستسرا بذلك فحضرته الْبَيِّنَة أَو أقرّ على نَفسه وَجب قَتله دون استتابته كالزنديق وَإِن كَانَ مُعْلنا بِهِ غير مسر بظهوره ويحاج عَلَيْهِ فَهُوَ كالمرتد فيستتاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَإِن كَانَ مقرا بِاللَّه مُؤمنا ومقرا بِأَن النُّجُوم لَا تَأْثِير لَهَا فِي الْعَالم وَالْفَاعِل هُوَ الله تَعَالَى لكنه جعل النُّجُوم دَالَّة وَلها إِمَارَة على مَا يحدث فِي الْعَالم فَهَذَا يزْجر عَن اعْتِقَاده ويؤدب عَلَيْهِ أبدا حَتَّى يكف عَنهُ وَعَن اعْتِقَاده وَيَتُوب مِنْهُ فَهُوَ بِدعَة فَتسقط أَمَانَته وشهادته على مالسحنون فِي نوازله من الشَّهَادَات وَلَا يحل لمُسلم أَن يصدقهُ فِيمَا يَقُول وَكَيف يحل لَهُ تَصْدِيقه مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات الدَّالَّة على أَن الله تَعَالَى اسْتَأْثر بِعلم الْغَيْب مَعَ قَوْله ﷺ من صدق كَاهِنًا أَو عرافا أَو منجما فقد كفر بِمَا أنزل الله على مُحَمَّد ﷺ وَيُمكن أَن يُصَادف فِي بعض المرار فَيكون من

1 / 201