مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ وَالْتِبَاسٍ، وَالْمُتَشَابِهُ: هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَوْ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً، يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا عِنْدَ السَّامِعِ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ، حَتَّى يُمَيِّزَ وَيَتَبَيَّنَ وَيَنْظُرَ وَيَعْلَمَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ فِيهِ، كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ، الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْمُخَالِفُونَ لِلْحَقِّ، وَذَهَبُوا عَنْ وَجْهِ الصَّوَابِ فِيهِ قُلْتُ: وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفَ بِالصَّيْرَفِيِّ قَالَ: الْمُتَشَابِهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، ضِرْبٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَانْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ تَأْوِيلِهِ، وَضَرْبٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] فَنَفَى أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَابْتَدَأَ بَعْدَ ذَلِكَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وَالدَّلِيلُ عَلَى الضَّرْبِ الثَّانِي حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْبُنْدَارُ، نا ابْنُ أَبِي الْعَوَّامِ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» ⦗٢١١⦘ فَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ النَّاسِ يَعْلَمُ الْمُشْتَبِهَاتِ قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمُتَشَابِهَ يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ لِلْعُلَمَاءِ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَتِهِ