324

Faḍāʾil Bayt al-Maqdis li-Ibn al-Marjī al-Maqdisī

فضائل بيت المقدس لابن المرجى المقدسي

أخبرنا أبو الفرج، قال: أبنا أحمد بن خلف الهمداني، قال: حدثني أبو محمد عبد الله بن محمد الحوى -رحمه الله، وكان يعد من الأبدال- قال: رأيت ليلة عاشوراء من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فيما يرى النائم، كأني في صحن مسجد بيت المقدس، وأنا مقابل قبة الصخرة، فإذا هي قبة عظيمة من نور، بيضاء عالية على رأسها درة، ثم دخلت إلى القبة حتى أنظر إلى الصخرة، فإذا هي ياقوتة، ولها نور، فقلت: سبحان الله، ما يرونها الناس إلا صخرة، وهي ياقوتة. فقيل [لي]: تعرض على قوم بهذه الصفة. ثم صليت على البلاطة السوداء، فإذا النور يسطع من جوانبها، فإذا أربعة أنهار تجري من تحتها، فقلت: ما هذه الأنهار؟ فقيل لي: من الجنة. ثم خرجت من القبة، فإذا أشجار من نور من باب الصخرة إلى باب النحاس مقابل المحراب، فقلت: ما هذه الأشجار؟ فقيل لي: هذه طريق المؤمنين بالله. قلت: فمن يخالفهم؟ قال: انظر طريقهم مسدودة. ثم سألت عن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، ما له أثر رجل مشى؟ فقيل لي: انظر إلى الأرض، فإذا نور أبيض مثل الثلج، وقد داسه برجليه صلى الله عليه وسلم وصار طريقا، ثم نظرت إلى المعراج موضع القبة، مثل قوس الله أخضر وأحمر، يتلألأ نورا، ثم نظرت إلى قبة النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لي: في هذا الموضع صلى بالأنبياء والملائكة. ثم قلت: قبة السلسلة ما هي، وأين السلسلة؟ فقيل لي: السلسلة موضعها، وهي نور لا يراه [أحد] من الآدميين. ثم سألت عن باب حطة، فقيل لي: من دخل هذا الباب، أو نزل إليه، يخرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه، يقول الله تعالى: {ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم}. ثم سألت عن مولد عيسى عليه السلام، فقيل لي: من صلى فيها دخل الجنة، ومن دخل إليه فكأنما نظر إلى عيسى ومريم عليهما السلام، وكذلك محراب [زكريا عليه السلام]. ثم سألت عن باب الرحمة، وإذا باب من نور مما يلي [المسجد، وباب من الحديد مما يلي] الوادي، ثم قيل لي: إن لكل نبي من الأنبياء -صلوات الله عليهم- سهما من هذا المسجد، وكذلك لكل مؤمن. ثم دخلت المسجد نحو الصف الأول، فقيل لي: انظر فإذا قوم قد ابتلعتهم الأرض، ورءوسهم خارجة. فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لي: من يبغض السلف. ثم كلمني أربعة، فقلت في سري: ملائكة. فقيل لي: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، ولم أعرف الرابع، وهم يقولون لي: أقرأ لنا محمدا السلام، يعنون: [إمام] المسجد الجامع المقدس، وقل له: يجعل الخطب التي تخطب لله تعالى، وكذلك سائر عمله، فإذا تم له ذلك وضعنا له سريرا من نور في الجنة، حتى يرتفع عليه ويرتفع على الناس، وكذلك أبو بكر ابن علاوة، وأبو أحمد محمد بن محمد بن عبد الرحيم القيسراني، وليدوموا على ما هم عليه، وفي هذا الوقت سبعة من المؤمنين، أوتاد (من أوتاد) المسجد ببيت المقدس، وفيها سهام المؤمنين بالله المخلصين، فقلت: فسهام أهل البدع؟ فقيل لي: في وادي جهنم. فأشرفت على الوادي، فقلت: أشتهي أنظر، فنظرت فإذا فيها نار ترمي بشرر، مثل النخلة إذا قطعت بالمنشار كبارا، أعاذنا الله وإياكم من النار.

قد ذكرت في كتابي هذا ما خص الله به المسجد المقدس من الفضائل الجليلة، والمآثر العظيمة، مما لم يشركه فيه غيره، وأنا أذكر إن شاء الله بعد هذا من فضائل المساجد طرفا، إذ كان كل فضيلة وردت في المساجد، فلهذا المسجد منها الحظ الوافر، وهو داخل في عمومها، ومشارك لجملتها، ومنفرد عنها بما منحه الله به وشرفه وخصه، لا بل هو أولى، والفضل فيه أعظم؛ لعظم شأنه، وشرف منزلته، والله تعالى الموفق للصواب، وعليه التكلان.

Page 366