293

Sharḥ kitāb qāʿida jalīla fī al-tawassul waʾl-wasīla

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

حكم سؤال الله بالمخلوق
تكلم الشيخ فيما سبق في مسألة الشفاعة الممنوعة، واستطرد في مسألة الإقسام على الله ﷿، وأنه لا تجوز، سواء كان من باب التوسل، أو من باب اليمين ونحو ذلك؛ فإنه لا يجوز أن يوضع بين الله والخلق واسطة، لا بالإقسام ولا بالتوسل.
وسيتكلم هنا عن مسألة الإقسام بغير الله والرغبة إليه ونحو ذلك، وما يترتب على هذا من الابتداع، أو ما ابتدع الناس في هذا الجانب، خاصة في الإقسام بالنبي ﷺ، ودعوى أن ذلك من تعظيمه.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وإذا كان الإقسام بغير الله والرغبة إليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من الأحكام التي اشتركت المخلوقات فيها؛ فليس لمخلوق أن يقسم به، ولا يتقي ولا يتوكل عليه وإن كان أفضل المخلوقات، ولا يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين، فضلًا عن غيرهم من المشايخ والصالحين.
فسؤال الله تعالى بالمخلوقات إن كان بما أقسم به وعظمه من المخلوقات؛ فيسوغ السؤال بذلك كله].
قصد المؤلف بقوله: (وعظمه): مما يعظمه الناس، وخاصة الرسول ﷺ، فإن له من المحبة والتوقير ما ليس لغيره من الخلق، لكن هذا لا يبرر أن يقسم به على الله؛ لأن حق الرسول ﷺ إنما هو حق له، والمسلم إنما يحقق الشرف والقرب إلى الله ﷿ باتباعه الرسول ﷺ، لا بالإقسام بحقه، ولا الإقسام بذاته؛ لأن النبي ﷺ لا يجوز جعله وسيطًا بذاته أو بحقوقه بين العبد والخالق.
وسبق الكلام على مسألة التوسل بالرسول ﷺ، وفهمت أن بعض الإخوان أشكل عليه جانب من حديثي في درس سابق، وهو أني -فيما أظن- قلت له: يجوز في عهد النبي ﷺ التوسل بذاته الذي هو بمعنى التبرك، على اعتبار أن بعض الناس يسمي التبرك توسلًا.
أقول: نعم، النبي ﷺ وهو حي يجوز التبرك بذاته، لا التوسل بمعنى اتخاذ ذاته وسيلة بين الله والعبد، هذا لا يجوز، لكن التبرك بمعنى التماس البركة بأفعال النبي ﷺ وأشيائه وذاته في حياته؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك.
وأما التوسل بذات النبي ﷺ في ذلك الوقت فعلى نوعين: النوع الأول: التبرك الذي نتحدث عنه، بمعنى: التماس البركة، لا اتخاذه واسطة بين الله وبين خلقه، ولكن التبرك فيما يتعلق بمصالح الناس الدنيوية ونحوها؛ هذا نوع.
النوع الثاني: التوسل به بمعنى أن يطلب منه الإنسان الدعاء، كما حدث للأعمى، وكلتا الصورتين لا تكونان إلا في عهد النبي ﷺ وفي حياته، وأيضًا بما بقي من أشيائه بعد مماته -وقد انقرضت فلم يبق من أشياء النبي ﷺ التي استعملها شيء- فمن هنا نقول جزمًا: انقطع التوسل بالنبي ﷺ بأي شكل من الأشكال وبأي صورة من الصور، سواء كان التبرك بأشيائه أو بذاته في حياته، فقد انتهى ذلك، أو كان التوسل بمعنى: طلب دعائه؛ وهذا انقطع بوفاته ﷺ، وأنه لا يملك أن يجيب، ولا يملك أن يدعو بعد وفاته فقد لقي ربه.

28 / 2