منها، فإذا اشتغل الإنسان في أول أمره بالفقه يسهل عليه فهم ما يجب عليه من صنوف العبادات، وأيضًا يتمرن كيف يستنبط المسائل من النصوص، لكن هنا دقيقة ينبغي أن يتنبه لها وهي أن لا يتعمق في الغوص على رأي بعض النَّاس بحيث يجعله أساسًا يبني عليه غيره، فيجعل المذهب ميزانًا يزن به ما ورد من النصوص لأن ذلك يؤديه إلى التعصب ورد النصوص الصَّحِيحة، بل ينبغي أن يجعل النصوص ميزانًا لأراء العلماء يقبل منها ما وافق، ويرد منها ما خالف أيا كان القائل؟.
وبالجملة فهذا الأمر مَهْوَاة بعيدة، ومغلطة شديدة، وقع فيها كثير من أهل العلم فضلًا عن العوام، ولا سيما المتأخرون إلا من عصم الله نسأل الله السلامة والعافية، وينبغي له أن يتبحر مع ذلك في اللغة والصرف، وسائر علوم الأدب، فإنها تفتح له باب فهم النصوص.
وعلومُ الأدب، وتسمى علومُ العربية اثنا عشر علمًا: النحو، والصرف، واللغة، والاشتقاق، والمعاني، والبيان (١)، والخط، والعروض، والقافية، وقرض الشعر (٢)، وإنشاء الخطب والرسائل، والتاريخ (٣)، ونظمت ذلك بقولي:
نَحْوٌ وَصَرْفٌ والاشْتِقَاقُ وَالُّلغَةُ ... ثُمَّ اْلمَعَانِي كَذَا الْبَيَانُ قاَفِيَةُ
ثُمَّ الْعَرُوضُ وَقَرْضُ الشِّعْر خَطُّهُمُ ... تَاريخُهُمْ بَعْدَهُ الِإنْشَاءُ خَاتِمَةُ
فَتِلْكَ عَشْرٌ مَعَ اثْنَتَيْنِ بِاْلأدَبِ ... قَدْ سُمِّيَتْ فَاَحْوِهَا فَإِنَهَا رَايَةُ
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله: " أو فسقه "، وقوله " نَزِّلْ "، وقوله " وإن يقدم " إلخ.
ولما أنهى الكلام على تحمل الحديث شرع يتكلم على وجوه التحمل متممًا للفوائد المتعلقة بالباب المتقدم فقال:
(١) وأما البديع: فذيل لهذين العلمين.
(٢) وهو الإتيان بالكلام الموزون المقفى.
(٣) هو معرفة أخبار الأمم الماضية، وتقلبات الزمن بمن مضى لتحصل ملكة التجارب، والتحرّز من مكائد الدّهْر.