Al-Lubāb: Sharḥ Fuṣūl al-Ādāb
اللباب «شرح فصول الآداب»
Publisher
دار التدمرية
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
Publisher Location
الرياض - المملكة العربية السعودية
Regions
•Saudi Arabia
نُقلت الإباحة عن بعض الصحابة؛ ولكن الصحيح أنه محرم، وفي الباب حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم: أن النبي ﷺ رأى في يد رجل خاتمًا من ذهب، قال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده» ثم أخذه ورمى به. فقيل للرجل خذه، قال: والله لا أرفعه وقد طرحه النبي ﷺ. (١)
والحكمة في تحريم الذهب والحرير على الرجال ظاهرة، ففيه سرف وتشبه بالنساء، وفيه كذلك التخنث والنعومة والليونة المنافية لشهامة الرجل وخشونته، وقد تكلم ابن القيم كلامًا حسنًا في مسألة تحريم الحرير على الرجال في الزاد. (٢)
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٢٠٩٠).
(٢) قال ابن القيم: في "الصحيحين" من حديث قَتادةَ، عن أنس بن مالك قال: رخَّص رسولُ اللهِ ﷺ لعبد الرَّحمن بن عَوْفٍ، والزُّبَيْر بن العوَّام - رضي الله تعالى عنهما - في لُبْسِ الحريرِ لِحكَّةٍ كانت بهما.
وفى رواية: أنَّ عبدَ الرَّحمن بن عَوْف، والزُّبَير بن العوَّام - رضى الله تعالى عنهما - شكَوْا القَمْلَ إلى النبي ﷺ، في غَزاةٍ لهما، فَرَخَّص لهما في قُمُصِ الحرير، ورأيتُه عليهما.
هذا الحديثُ يتعلق به أمران؛ أحدُهما: فِقْهي، والآخر: طِبي.
فأما الفقهي: فالذي استقرت عليه سُنَّته ﷺ إباحةُ الحرير للنساء مطلقًا، وتحريمه على الرجال إلا لحاجةٍ ومصلحةٍ راجحةٍ، فالحاجة إمَّا من شِدَّة البرد، ولا يَجِدُ غيرَه، أو لا يجدُ سُترةً سواه.
ومنها: لباسه للجرب، والمرض، والحِكةِ، وكثرة القَمْل كما دلّ عليه حديث أنس هذا الصحيح.
والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمدَ، وأصحُ قولي الشافعي، إذ الأصلُ عدمُ التخصيص، والرخصةُ إذا ثبتت في حقِّ بعض الأُمة لمعنى تعدَّتْ إلى كُلِّ مَن وُجِدَ فيه ذلك المعنى، إذ الحكمُ يَعُم بعُمُوم سببه.
ومَن منع منه، قال: أحاديثُ التَّحريم عامةٌ، وأحاديثُ الرُّخصةِ يُحتمل اختصاصُها بعبد الرَّحمن بن عَوف والزُّبَيْر، ويُحتمل تَعديها إلى غيرهما. وإذا احتُمِلَ الأمران، كان الأخذ بالعموم أولى، ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدرى أبَلغتِ الرُّخصةُ مَنْ بعدهما، أم لا؟
والصحيح: عمومُ الرُّخصة، فإنه عُرْف خطاب الشرع في ذلك ما لم يُصرِّحْ بالتخصيص، وعدم إلحاق غير مَن رخَّص له أوَّلا به، كقوله لأبى بُرْدة في تضحيته بالجذعة من المَعْز:
«تجزيكَ ولن تَجْزىَ عن أحدٍ بَعْدَك» وكقوله تعالى لنبيه ﷺ في نكاح مَن وهبتْ نفسَها له: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الأحزاب: ٥٠
وتحريمُ الحرير: إنما كان سدًا للذرِيعة، ولهذا أُبيح للنساء، وللحاجة، والمصلحةِ الراجحة، وهذه قاعدةُ ما حُرِّم لسد الذرائع، فإنه يُباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حَرُمَ النظر سدًا لذريعة الفعل، وأُبيح منه ما تدعو إليه الحاجةُ والمصلحةُ الراجحة، وكما حَرُمَ التنفلُ بالصلاة في أوقات النهى سدًا لذريعة المشابهة الصوريةِ بعُبَّاد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حَرُمَ رِبا الفضلِ سدًا لذريعةِ رِبا النَّسيئة، وأُبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العَرَايا، وقد أشبَعْنا الكلام فيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ من لباس الحرير في كتاب: "التَّحْبِير لِمَا يَحلُّ وَيَحْرُمُ من لِباس الحَريرِ".
1 / 231