بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النَّبيِّ ﷺ عليه ووقعت إجابته على سؤاله على حسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- قال: وهذا /من أحسن الأجوبة المتعلقة بهذه القصة (^١).
[١١٩ أ/ص]
(جَاءَ ابْنُهُ) عبد الله بن عبد الله، وكان اسمه الحُباب بضم المهملة وتخفيف الموحدة، وفي آخره موحدة أيضًا؛ فسماه رسول الله ﷺ بعبد الله كاسم أبيه، وهو من فضلاء الصحابة وخيارهم، شهد المشاهد، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ (^٢) (إِلَى النَّبي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية سقط لفظ يا رسول الله (^٣) (أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ) أي: أكفن عبد الله بن أبي فيه، وهو مجزوم على أنه جواب الأمر (وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) ووقع عند الطبري مِنْ طَريقِ الشعبي لما احتضر عبد الله جاء ابنه إلى النَّبي ﷺ فقال: " يا نبي الله إنَّ أبي احتضر؛ فأحب أن تحضره وتصلي عليه" (^٤)، وكأنَّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام؛ فلذلك التمس من النَّبيِّ ﷺ أن يحضر عنده ويصلي عليه، وقد سبق ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، والله أعلم.
(فَأَعْطَاهُ) أي: النَّبي ﷺ ابنه (قَمِيصَهُ) فإنْ قيل: ما الحكمة في دفع قميصه له، وهو كان رئيس المنافقين؟ فالجواب بأمور منها: أنه كان ذلك إكرامًا لولده، ومنها: أنه ﷺ ما سئل شيئًا فقال: لا، ومنها: أنه ﷺ قال: إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئًا، إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب، فروى أنَّه أسلم من الخزرج ألف لما رواه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله ﷺ والصلاة عليه، وقال أكثر العلماء: إنما ألبسه قميصه مكافأة لما صنع في إلباس العباس عمِّ النَّبي ﷺ قميصه يوم بدر، وكان العباس ﵁ طوالًا؛ فلم يجدوا له قميصًا يصلح له إلا
(^١) فتح الباري (٨/ ٣٣٤).
(^٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، (٣/ ٩٤٠).
(^٣) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٢/ ٣٩١)
(^٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١١/ ٦٠٠) من طريق: الحسن، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن الشعبي، إسناده به موضع إرسال، وباقي رجاله ثقات.