339

Sharḥ Lāmiyya Ibn Taymiyya

شرح لامية ابن تيمية

ذم البدع في ضوء الكتاب والسنة
أود أن أعرج على مبحث البدع وما ورد من الذم لها، وقد ورد عندنا الذم لقضية البدع: يجب أن نعلم أن الله ﷾ قد أنعم على هذه الأمة نعمًا عظيمة، ومن أعظم نعمه التي أنعم الله عليها هي كمال الدين، وأن الله أكمل دينه وأتمه، وقصدنا بقضية كمال الدين أن نقطع على عقول المبتدعة أن يزيدوا لنا شيئًا أو ينقصوا منه شيئًا، من نقص في دين الله تعالى شيئًا فقد ابتدع، ومن جاء بشيء جديد فقد ابتدع، وكم هي طوائف المبتدعة كثيرة جدًا، فمنها ما يتعلق بالبدع بدع تتعلق بالاعتقاد: كبدع الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والرافضة وغيرها، وبدع تتعلق بالأحكام: كبدع الصوفية وإن كان عندهم بدع كذلك في الاعتقاد بإتيانهم بأوراد وعبادات وصلوات وأعمال لا رصيد لها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
يقول ابن عباس ﵁ عند هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] مفسرًا لها: أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين كذلك أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله تعالى فلا ينقص أبدًا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدًا، ثم بين الله لنا الأمر باتباع ما جاءت به الرسل في غير ما آية، ففي آدم ﵊: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] كذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٣] ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] إلى غير ذلك من الآيات الآمرة به.
وكذلك هناك أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ تأمرنا بقضية الاتباع، والسير على ذلك، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث جابر في حجة النبي ﷺ: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله) دل على أن من تمسك بالكتاب والسنة فلن يضل أبدًا، وقد روى مسلم كذلك من حديث جابر أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) .
وكذلك لما أمرنا باتباع السنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ثم قال النبي ﷺ: (فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) إلى غير ذلك من الأحاديث.
من أنصح الخلق للناس هو رسول الله ﷺ، وأبرهم بأمته، وأعلمهم بما يصلحهم، أمرنا بقضية الاتباع، وحذرنا من قضية الابتداع.
رويت عن الصحابة ﵃ وعن التابعين آثار كثيرة جدًا تأمرنا بقضية الاتباع في مسائل الاعتقاد وفي مسائل الأحكام، ليس بعضها دون بعض، فمنها: قول معاذ بن جبل ﵁ حين قام بـ الشام فقال: [أيها الناس! عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ألا وإن رفعه ذهاب أهله، وإياكم والبدع، والتبدع والتنطع، وعليكم بأمركم العتيق] أي: ما كان عليه النبي ﷺ لا تأتوا بشيء جديد.
ومنها كذلك قول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [عليكم بالطريق فلئن لزمتموه لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن خالفتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا] ثم يقول أبو الدرداء: [لن تضل ما أخذت بالأثر] أي: ما جاءك عن النبي ﷺ، ومنها: [عليك بتقوى الله والاستقامة واتبع ولا تبتدع] كما قالها ابن عباس ﵄ لرجل إلى غير ذلك من الآثار.

19 / 12