Sharḥ Lāmiyya Ibn Taymiyya
شرح لامية ابن تيمية
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
•Saudi Arabia
اختلاف العلماء فيما يوزن
اختلف العلماء في الذي يوزن على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الذي يوزن هو العمل ويستدلون لذلك بحديث ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله بحمده، سبحان الله العظيم) وهذا يدل على أن هذه الأعمال توزن.
وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق) وهذا يدل على أن حسن الخلق عمل، وهو الذي يوزن يوم القيامة وهذا عمل.
القول الثاني: أن الذي يوزن هي الصحائف، ويستدلون على ذلك بحديث صاحب البطاقة، فإن صاحب البطاقة يؤتى به يوم القيامة وله تسع وتسعون سجلًا كلها مد البصر، ويقال له: أتنكر هذه؟ فلا ينكر شيئًا منها، ويقال له: هل لك حسنة؟ قال: لا، فيقول الرب: إنك لا تظلم اليوم، ثم بعد ذلك يؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله، فتوضع لا إله إلا الله في كفة، ثم توضع البطاقة في كفة، فتطيش بها بطاقة لا إله إلا الله، قالوا: فهذا وزن للصحف التي تكتب، ودل على أن الإنسان تكتب عليه الملائكة كل عمل يعمله في هذه الدنيا في صحف، ثم بعد ذلك توزن يوم القيامة.
القول الثالث: أن الذي يوزن هو الشخص نفسه، العامل نفسه، ويستدلون لذلك بحديث ورد عن النبي ﷺ: (يؤتى بالرجل السمين فيوضع في الميزان يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة) ويستدل له كذلك بما ثبت عن النبي ﷺ أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه كان يجني للنبي ﷺ الأراك، وقد كان ﵁ وأرضاه دقيق الساقين، وربما كشفت الريح عن ساقيه وفي بعضها أنها تكفأه الريح، فرأى الصحابة دقة ساقيه، فضحك أصحاب رسول الله ﷺ، فقال لهم النبي ﷺ: (مم تعجبون؟ قال الصحابة: يا رسول الله! نضحك من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ: إنهما لفي الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد) .
وبعض الطوائف ذهبت إلى أن الأعمال لا توزن أصلًا، وقالوا: لأن الأعمال أعراض وليست أجسادًا، ولكن هذا اعتراض عقلي، وقاعدتنا في الأمور الغيبية التسليم لما ورد في النصوص، فلا مجال للعقل فيها أصلًا، والله قادر على أن يجعل الشيء الذي يسمى عرضًا أن يجعله شيئًا محسوسًا كما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (اقرءوا القرآن ثم قال: فإنه تقدمه الزهراون البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كطير صواف تحاج عن صاحبها) فكيف يكون هذا.
هو عرض -قراءة قرآن- ومع ذلك تحاج له، وبين النبي ﷺ أن القرآن حجة لك أو عليك، أي: تستفيد منه يوم القيامة، مما يدل على أن قول الذين قالوا: إن الأعمال لا توزن قول غير صحيح، بل هو مخالف لما دلت عليه النصوص.
وجمع بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى جمعًا لطيفًا هنا، وقالوا: إنه لا مانع من أن توزن الثلاثة كلها، يوزن العمل، ويوزن العامل، وتوزن الصحف؛ لأن كل واحد منها قد دل عليه النص، ولا مانع من أن يحدث هذا الأمر كله، وهذا هو الذي يرجحه شيخنا العلامة، وقد أومأ إليه الإمام حافظ الحكمي، وجمع بعض العلماء رحمهم الله تعالى إيماءً إلى أن النصوص كلها ورادة، ولا تعارض بين هذه الأقوال.
15 / 4