[المسألة التاسعة]:
من أهل العلم من جَعَلَ التكفير في الاعتقادات أو جعله في المسائل العلمية.
فقال: المسائل العلمية التي دَخَلَ فيها أهل الأهواء والبدع فإننا نكفر المخالف فيها، وأما المسائل العَمَلِيَّةْ لا نكفر فيها إلا بالاسْتِحْلال.
وهذا قال به بعض المنتسبين إلى السنة؛ ولكنه مُخَالِفٌ لقول أئمة أهل الإسلام وما تَقَرَرَ من اعتقاد أهل السنة والجماعة، فإنَّ الخطأ والاجتهاد والغلو ونحو ذلك يدخل في المسائل العلمية.
فأهْلُ البدع لا يُكفَّرُونْ بإطلاق، فليس كل من خَالَفَ الحق في المسائل العلمية يُعَدُّ كافرًا بل قد يكون مذنبًا، وقد يكون مخطئا وقد يكون مُتَأولًا.
وعلى هذه الثلاث حَكَمَ أهل السنة وأئمة الإسلام بأنَّ هذه بدعة:
- قد تكون ذنب يوصله إلى الكفر.
- وقد تكون ذنبًا فيما دونه.
- وقد يكون سَلَكَ البدعة عن جهة الغلط منه والخطأ أو الجهل.
- وقد يكون تأول في ذلك.
ويستدلون على هذا بقصة الرجل الذي (أوصى إذا مات بأن يُحْرَقَ ثم يُذَرْ رُفَاتُهُ وقال: لئن قَدِرَ الله علي ليعذبني عذاب لم يعذبه أحدا من العالمين، فجمع الله ﷿ رفاته وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: إنما فعلته خشية عذابك) . أو كما جاء. (١)
فَفَعَلَ هذا الفعل الذي أنْشَأَهُ عنده الجهل أو عدم اعتقاد الحق في صفة من صفات الله ﷿ وهي صفة تَعَلُّقْ القُدْرَةْ بِرُفَاتِه (٢) هُوَ وبِقُدْرَةْ الله ﷿ على بعثه.
وعفا عنه رب العالمين لأجل عِظَمِ حسناته الماحية أو لِجَهْلِهِ؛ لأنه قال فعلته من خشيتك أو خوفًا من عذابك أو نحو ذلك، وهذا اعتقاد عظيم وهو حسنة عظيمة قابلت ذلك الاعتقاد السيئ، فدلَّ على أنَّ الاعتقادات البدعية والمخالفة للحق قد يُعْفَى عن صاحبها.
فإذًا قول من قال أنَّ أهل البدع والضلالات المخالفين في التوحيد أو في الصفات أنهم يُكَفَّرون إذا خالفوا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة هذا قولٌ غلط وليس بصواب عند أئمة أهل السنة والجماعة.
بل الصواب تقسيمهم:
- فمنهم من يكون كافرًا إذا قامت عليه الحجة الرسالية ودُفِعَتْ عنه الشبهة وبُيِّنَ له.
- ومنهم من يكون مذنبًا لأنه مُقَصِّرْ في البحث عن الحق.
- ومنهم من يكون متأولًا.
- ومنهم يكون مخطئًا.
- ومنهم من له حسنات ماحية يمحو الله ﷿ بها سيئاته.
(١) المسند (٧٦٣٥) / ابن حبان (٧٦٣٥)
(٢) الرُّفاتُ: مابَلِيَ فتَفتَّتَ/ تاج العروس (١/١٠٩٠)