350

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya - Ṣāliḥ Āl al-Shaykh = Ittiḥāf al-Sāʾil bimā fī al-Ṭaḥāwiyya min masāʾil

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

[المسألة الأولى]:
دليل أهل السنة والجماعة على أنَّ من أصاب ذنبًا من أهل القبلة فإنه لا يُكَفَّر دلَّ على ذلك جملة أدِلَّةْ من الكتاب والسنة:
١- منها قول الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، ومعلومٌ أَنَّ القاتل داخل في هذا الخطاب في النداء بالإيمان، وقال ﷿ بعدها ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فَسَمَّاهُ أخًا له، فدلَّ على أنَّ حصول القَتْلِ على عِظَمِهِ لم يَنْفِ اسم الإيمان.
٢- كذلك قوله ﷿ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩-١٠]، فَسَمَّاهم مؤمنين وسَمَّاهُمْ إخوة أيضًا ووَصَفَهُمْ بالأخوة، فدل على أنَّ وقوع القتل منهم لم ينفِ اسم الإيمان، مع قوله ﷿ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]، فأثبت له جهنم وعيدًا، وغَضِبَ الله ﷿ عليه واللعنة، ومع ذلك لم ينف عنه اسم الإيمان.
فدلَّ على أنَّ وقوع الكبيرة من المسلم لا يسلب عنه الإيمان، ووقوع الذنب ليس مُبِيحًا لإخراج هذا المذنب من أصل الإسلام إلى الكفر.
٣- ويدل على ذلك أيضًا قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري وغيره حينما أوتي برجل من الصحابة يقال له حمار شرب الخمر فجلده، ثم شربها ثانية فأُتِيَ به فجلده، ثم لما أتي به الثالثة قال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به. فقال نبينا ﷺ «لا تقولوا ذلك فإنه يحبّ الله ورسوله» (١)، فدلّ على أنَّ وجود المحبة الواجبة لله ﷿ ولرسوله ﷺ مع حصول الكبيرة مانِعٌ من لَعْنِهِ، وهذا يعني أنها مانع من تكفيره ومن إخراجه من الدين من باب الأولى.
٤- كذلك قال الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، فناداهم باسم الإيمان مع حصول الذنب منهم وهو الإلقاء بالمودة إلى عدو الله ﷿ وعدو رسوله ﷺ، فدل على أنَّ إلقاء المودة لأمر الدنيا ليس مُخْرِجًَا من اسم الإيمان؛ بل يجتمع معه قال تعالى في آخر الآية ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١] .
٥- في قصة حاطب بن أبي بلتعة في إسراره للكفار بخبر رسول الله ﷺ ما يدل على وقوع الذنب منه وعلى مغفرة الذنب له لأنه من أهل بدر، قال ﵊ في حقه «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم» (٢) وفي الرواية الثانية «إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٣) .
والأدلة على هذا الأصل عند أهل السنة والجماعة كثيرة.
٦- ومما يدل عليه من جهة النظر: أنَّ الكبائر كالسرقة والزنا وشرب الخمر والقتل والقذف ونحو ذلك شُرِعَتْ لها الحدود، والحدود مُطَهِّرَةْ، والمرْتَدُّ يُقْتَل على كل حال، ووجود الحدود هذه دليل ظاهر على أنَّهُ ارتكب فعلًا لم يُخْرِجْهُ من الملّة؛ لأنَّ النبي ﷺ قال «من بدّل دينه فاقتلوه» (٤)، وقال «والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٥) يعني ممن يحلّ دمه، فدل على أن وقوع هذه الذنوب من العبد تُطَهَّرُ بهذه الحدود وليست كفرًا؛ لأنها لو كانت كفرًا لكان يُقْتَلُ ردةً لقوله «من بدّل دينه فاقتلوه» .
٧- ويدلّ عليه أيضا أنَّ ولي الدم في القتل يعفو، له السلطان إن شاءَ عَفَا وإنْ شَاءَ أخذ، قال ﷿ ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣]، قال ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وهذا يدلّ على أنَّ الحق هنا للمخلوق، وأما الرِّدَة فهي حق لله، يعني أمَّا الردة فجزاؤها حق لله ﷿ ليس لولي المقتول.

(١) سبق ذكره (٢١٣)
(٢) البخاري (٣٠٠٧)
(٣) المسند (٧٩٢٧)
(٤) البخاري (٦٩٢٢) / أبو داود (٤٣٥١) / الترمذي (١٤٥٨) / النسائي (٤٠٥٩) /ابن ماجه (٢٥٣٥)
(٥) مسلم (٤٤٦٨) / أبو داود (٤٣٥٢) / الترمذي (١٤٠٢) / ابن ماجه

1 / 350